الحمد الله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده أما بعد :
جاء عن أبي الدرداء رضى الله عنه قوله : علامة الجهل ثلاث : العجب ، وكثرة المنطق فيما لا يعنيه ، وأن ينهى عن شىء ويأتيه )[جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر]


أعلم رعاك الله ، إذا رأيت الرجل معجبا برأيه ، محتفلا بعلمه ، مستغنيا بنفسه عن معارف غيره ، فأعلم أنه على خطى الجهل ، ولا بد أن تجده يكثر من الثرثرة ، والتشدق ، والتفهيق فيما لا يحسن علمه ، وفقهه ، وحكمه ، وإن تكلم فيما يحسن فتجده يتكلم في غير ما حاجة ، ومن غير مقتضى فينتفع الناس به ، ثم لا ريب أن تجده ينهى عن شيء ويأتيه ، ويزجر عن خلق ويغشاه ، فإذا رأيتهُ على تلك الحال فأعلم أنه ورث ميراث الجهل بأقطابه الثلاث ، العجب والتمنطق ومخالفة الأمر وإتيان النهي ، مع أمر أولي : وهو سوء القصد .


وهذا الضرب من الناس يكون غضوبا وحسودا ، والغضب والحسد قد يكونان متلازمان من جهة الباطل ، بينما في جهة الحق ، تجد الغضب والعفو متلازمان ، والله سبحانه وتعالى وصف اليهود بالوصفين المذمومين ، بينا وصف عباده المتقين بالعفو والإحسان ، مع كظمهم للغيظ والآيات معلومة ، والغضب يتحصل لهذا الضرب أنه إذا روجع في مسألة ، واعترض عليه فيها من وجه من الوجوه ، فلا يقبل مراجعة ، ولا مدوالة ، ويضيق باعه وينحرج صدره ، فلا يقبل حقا ولا يشكر محقا ، بل على خلاف كل ذلك ، يسعى للمكايدة والمكابرة ، وينعت الكلمة الصائبة التي وجهت لتصحيح خطئه كلمة نابية خاطئة ، وينعت المحق مبطلا ، والناصح متبجحا ، كما يصف نفسه بالمصيب ، والخريّت الأريب ، ويتجارى به الهوى تجاري الكَلب بصاحبه ، فينتقل من الجهل البسيط إلى الجهل المركب ، ومن الحمق الخفيف إلى الحمق الكثيف ، كما يسعى به ذلك الغضب الجارف ، إلى الرغبة للأنتصار والغلبة ، فلا يجد في جعبته علما وتحقيقا إلا القذف والشتم والسُّباب فيرميك ببوائقه ، كما في المثل السائر :" رمتني بدائها وإنسلت " أو بالمثل الآخر وهو مقارب للأول ومشابه " كل إناء بما فيه ينضح " أو " يرشح ". والغضب في هذه الحال صدأ للقلب وخبثٌ الأهواء ، فيظهر ماكان مكتوما ، ويفض ما كان مختوما ، فينكشف ما تحت الغطاء من الدواهي.


وأما الحسد فينشأ عنده من المقابلة ، أي إذا رأى قرينه أحسن منه ، في علم أو طريقة من طرق العيش ، فينصب له راية العدواة والبغضاء ، ويسعى في الإرزاء منه ، وتحقيره ، وتدميره ، وذلك بإشاعة المفتريات عنه والأباطيل ، ويكون رجاؤه أن يراه عريا عن كل نعمة ، وإن لم يرجع عليه ذلك بشىء
ولقد سمعنا وعلمنا أن الحسد داء عضال على صاحبه فإنه جماع الشرّ حيث يستجري اللسان واليد للكذب والبهتان وأذية الخلق .


وأعلم أن الغضب والحسد من موانع الإنتفاع بالعلم لأن موقعهما يكون في محل العلم والإيمان ألا وهو القلب ، فإن حلّ الغضب فيه ارتفع العلم ، وإن حل فيه الحسد إرتفع الإيمان ، وكل ذلك بقدرِ الغضب والحسد فمنهما ما يضعفان العلم والإيمان ، ومنهما ما يعدمانهما ألبتة ، وقد أوصانا النبي عليه الصلاة والسلام بالحلم والإيثار ، ونهانا عن الغضب والبخل والحسد وغيرها من الخلال الباطلة التي هي من موانع العلم والإيمان ، فقد جاء في الصحيحين عن النبي عليه الصلاة والسلام قوله :" لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه " وفي صحيح مسلم عنه عليه الصلاة والسلام : لا تحاسدوا ، ولا تناجشوا ، ولا تباغضوا ، ولا تدابروا ، ولا يبع بعضكم على بيع بعض ، وكونوا عباد الله إخوانا ، المسلم أخو المسلم ، لا يظلمه ، ولا يخذله ، ولا يكذبه ، ولا يحقره ، التقوى هاهنا - ويشير إلى صدره ثلاث مرات - بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم ، كل المسلم على المسلم حرام : دمه وماله وعرضه ، وفي الصحيح أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم " أوصني" قال : لا تغضب " فردد فقال :" لا تغضب " .


المقصود أن هذا الضرب من أهل العُجبُ والتمنطق و الكذب ، لا يكون بذي بال في العلم ، ولا في الرجولة بشىء ، ولو قابلت أخلاق العلماء والكمل من الرجال لألفيتهم في سبيل غير سبل أهل الجهل والجفوة ، والعجب والصبوة ، وأشد نفرة لتلكم الخلال واللوازم الباطلة والأشياء بأضدادها تتمايز ، ولأجل ذلك فإن العالم أفقه بحق العلمِ من غيره ، كما أن صاحب الكير أبصر بشأن الحديد من غيره ، وصاحب العطارة أمهر بالأدوية والأدواء من غيره ، ولأجل ذلك لا تجد عالما فقيها يصابُ بلوثة العُجب ، أو نعرة التمنطق ، أو غذة الكذب فيخالف فعله قوله وعلانيته سره ، لأمرين فيما يظهر لي – والله أعلم :


الأول : أنه قد خَبر جريرة تلكم الخلال في بداءة أمره في نفسه أو في غيره ، فكره أن يلدغ من الجحر مرتين . ولم يجد علما محققا ، ولا رآيا مؤصلا ، ولا حلاوة في القلب ، ولا نظارة في المحيا ، ولا قبولا عند الناس ، ولكن حصّل ما يكره ،وجوزي على نقيض مبتغاه وقصده .


الثاني : أن العلم الذي حصل أصوله بالآثر واكتسب فروعه بالإجتهاد والنظر ، قد أوجد في قلبه المعرفة التامة بأن داء العلم العجبُ والتشدق والثرثرة ، كما أن دواء تلك العلة في التواضع والإيثار ، وإدامة النظر ، وطول الصمت ، وجماعها التقوى كلمة واحدة .


ثم إنّ العاقل هو الذي ينظر في عواقب الأمور ، فيُحْكِم الأسباب على نسق السنن الكونية الثابتة ، ووفقا للسنن الشرعية الصحيحة، فيبتغي بالعلم الدار الآخرة ، ويعلم أن المقصود بالعلم هو معرفة الله تعالى معرفة توجب الخشية والمحبة والخوف والرجاء طلبا لإخلاص العبادة له سبحانه وتعالى ، ولا يعبد الله تعالى إلا بما شرّع وقضى ، وتلكلم المعرفة توجب له الخشية كما قال تعالى إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ [فاطر:28]. فلما كانوا أعلم الناس بالخالق أوجب لهم ذلك الخشية والتقوى ، وأعلم الناس وأتقاهم بالله هم الأنبياء ثم الصالحون ثم الأمثل فالأمثل ، وجاء في الصحيح قوله عليه الصلاة والسلام "...إن أعلمكم وأتقاكم بالله أنا " ، ولهذا كان لمن يريد أن يخشع في صلاته ويخشى الله سبحانه وتعالى أن يكون عارفا بالله في أسمائه وصفاته ، ليمكنه من العبادة الواجبة من العبد لخالقه وبارئه وسيّده ومولاه سبحانه وتعالى .


إذ كيف يكون في القلب رهبة أو رغبة لشىء من الأشياء ، وهو يجهل ذلك الشىء جهلا من وجوهه العامة والخاصة ، ولله المثل الأعلى ، ولذا قال سبحانه وتعالى :" وأعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات "[ سورة محمد/19 ] ) ، وغالبا ما يسأل الناس عن أسباب الخشوع والخشية ، وللعلماء أقوال كثيرة في هذا الباب وافية وكافية ، وجماع القول في ذلك هو معرفة الله تبارك وتعالى بأسمائه وصفاته ، فيورث ذلك المحبة والخشية ، فإن حقق ذلك تحقيقا واجبا كان في الأمر والنهي أخضع وأطوع ، ولقد مكث النبي عليه الصلاة والسلام في مكة ثلاثة عشرة سنة لا يدعو إلا للتوحيد ، ويدل على حق الله بالعبادة بما يصل إلى العباد من الرزق والأمن والنعم الآلاء التي لا تحصى ، فإنهم كانوا قوما يقرون بالربوبية ويكفرون بالألاهية ، فكان عليه الصلاة والسلام يقرن بين الخلق والأمر ، فالذي خلق السموات والأرض وشق الأنهار وأرسى الجبال ورزق الخلائق ودبر أمر معايشها ومعاشرها ، هو الله نفسه المستحق للعبادة دون غيره من الأنداد والأوثان ، ولذا الناظر في أمر الحقبة المكية قبل الهجرة يجد أن كلها تقرير لتوحيد الإلاهية والأسماء والصفات وصلاتها بتوحيد الربوبية، وذكر رحمة الله وفضله ووعده لعباده ، وكذا ذكر لبطشه وقوته وجبروته ووعيده لأعدائه ، فكانوا إذا علموا ذلك وأسلموا كانوا لما بعدها من الأمور أطوع وأرغب ـوجاء في الصحيح عن يوسف بن ماهك قال إني عند عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها إذ جاءها عراقي فقال أي الكفن خير قالت ويحك وما يضرك قال يا أم المؤمنين أريني مصحفك قالت لم قال لعلي أولف القرآن عليه فإنه يقرأ غير مؤلف قالت وما يضرك أيه قرأت قبل إنما نزل أول ما نزل منه سورة من المفصل فيها ذكر الجنة والنار حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام نزل الحلال والحرام ولو نزل أول شيء لا تشربوا الخمر لقالوا لا ندع الخمر أبدا ولو نزل لا تزنوا لقالوا لا ندع الزنا أبدا لقد نزل بمكة على محمد صلى الله عليه وسلم وإني لجارية ألعب بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر وما نزلت سورة البقرة والنساء إلا وأنا عنده قال فأخرجت له المصحف فأملت عليه آي السور.فإن الإيمان إذا استحكم في القلوب بلغ بها مقامات الرضا ، والسكينة . . والملك إذا خضع تابعه الجنود .والطريقة النبوية في تحقيق العلم الإلهي هو البدء بالعقيدة وترسيخها في القلب ، والقلب ملاك الجوارح وملكها وسائر الأعضاء جنود له ، وفي هذا الباب يقول ابن تيمية في المجموع(178/7):
((ثُمَّ الْقَلْبُ هُوَ الْأَصْلُ فَإِذَا كَانَ فِيهِ مَعْرِفَةٌ وَإِرَادَةٌ سَرَى ذَلِكَ إلَى الْبَدَنِ بِالضَّرُورَةِ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَتَخَلَّفَ الْبَدَنُ عَمَّا يُرِيدُهُ الْقَلْبُ وَلِهَذَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: " {أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إذَا صَلَحَتْ صَلَحَ لَهَا سَائِرُ الْجَسَدِ وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ لَهَا سَائِرُ الْجَسَدِ أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ} ".


وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: الْقَلْبُ مَلِكٌ وَالْأَعْضَاءُ جُنُودُهُ فَإِذَا طَابَ الْمَلِكُ طَابَتْ جُنُودُهُ وَإِذَا خَبُثَ الْمَلِكُ خَبُثَتْ جُنُودُهُ.
وَقَوْلُ أَبِي هُرَيْرَةَ تَقْرِيبٌ. وَقَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحْسَنُ بَيَانًا فَإِنَّ الْمَلِكَ وَإِنْ كَانَ صَالِحًا فَالْجُنْدُ لَهُمْ اخْتِيَارٌ قَدْ يَعْصُونَ بِهِ مَلِكَهُمْ وَبِالْعَكْسِ فَيَكُونُ فِيهِمْ صَلَاحٌ مَعَ فَسَادِهِ أَوْ فَسَادٌ مَعَ صَلَاحِهِ؛ بِخِلَافِ الْقَلْبِ فَإِنَّ الْجَسَدَ تَابِعٌ لَهُ لَا يَخْرُجُ عَنْ إرَادَتِهِ قَطُّ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " {إذَا صَلَحَتْ صَلَحَ لَهَا سَائِرُ الْجَسَدِ وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ لَهَا سَائِرُ الْجَسَدِ)


وهذا خلافا لمذهب المرجئة الذين يخرجون الأعمال من ماهية الإيمان ، وهذا لا يستقيم ألبتة ، فإن الظاهر والباطن متلازمان ، فإن كان في القلب إيمان وتصديق فلا ريب أن ينجلي ذلك في الأقوال والأفعال ، ولذا كان قول غلاة المرجئة خلاف صريح العقل وصحيح النقل ، فإن الإرادة الجازمة توجب عملا إذا استوفيت الشروط وانتفت الموانع ، وإنما طردوا حكمهم فأفضى بهم إلى الإضطراب والتدافع ، فمرة يقولون أنه تصديق بالقلب وهذا قول الجهمية فيكون بذلك إبليس وفرعون وطغاة الخلق كإيمان جبريل وميكائيل وإسرافيل والأنبياء والمرسلين ، ومرة يقولون إن الإيمان قول باللسان وإن عري عن الإعتقاد وهذا قول الكرامية ، فيكون عبد الله بن أبي بن سلول وزمرته مثل إيمان الملائك والرسل والصالحين ، ومرة يقولون هو تصديق بالقلب وقول باللسان وهذا قول مرجئة الفقهاء ، والإيمان ثابت لا يزيد ولا ينقص ، وقد علم بطلان هذه الأقوال عقلا ونقلا ، وأهل السُّنة والجماعة يقولون إنما الإيمان إعتقاد وقول وعمل ، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية ، وفي كتب السُّنة البيان الشافي والتوضيح الكافي.


الشاهد أن الباغي للعلم النافع والعمل الصالح ينبغي أن يتجرد من كل الشوائب العالقة من الأهواء والعوائد الفاسدة ، وأولاها تصحيح القصد من الطلب ، فإن استحضار النيّة في طلب المعالي والمكرمات من الفضائل له أثر فيما بعد وإن طال الأمد ، ويقتدي بالأمثل من الناس ويتخذه قدوة حسنة ، وليس بأمثلَ من النبي عليه الصلاة والسلام فهو المعلم والمربي والقدوة الكاملة والمثال الأتم للإستقامة في جميع نواحيها ، ثم أصحابه رضون الله عليهم فهم كانوا من العلم والفقه والخشية والتقوى بما لا يدافعه إلا جاهل أو معاند كالرافضة وأذنابهم .


ختاما يقال إذا وجدت في نفسك ذلا وخضوعا ، وتواضعا وطواعية للحق كيفما كان ، كأنك جمل أنِف ، فأعلم أن بذرة العلم قد ضربت بجذورها في نفسك ، وبدأت تحيا في أرض الإخلاص ، فالعلم باعث الإيمان ، لا يكون ولن يكون إلا بالإخلاص لله تبارك وتعالى ، ويضاف إلى صحة العلم ، صحة الإرادة ، -طبعا مع صحة العقل في المقايسات – فإن علما صحيحا بغير إرداة لا ينهض ، وصاحبه يجد في الكسل أربه ، وفي التواني والعجز مهربه ، والتسويف مدخله ومخرجه ، إلى غيرها من الأمراض الملازمة للإرادة عند فسادها ، وبالمقابل فإن وجود إرادة صحيحة بغير علم نافع لا تثمر شيئا ، وصاحبها كالشاب الجفر القوي ولكن لا خبرة له بالأمور ، ولا في عواقبها ، فتراه يضرب في العلم خبط عشواء ، على غير هداية ، ويرمي في عماية ، فمثلا يعمد إلى بيان مسألة فيطمسها ، وإلى تحقيق كلمة فيلفقها، وإلى نصرة حق فيغمطه ، وإلى شكر محقق فيبطره ، وأعماله إلى الغي والضلال أقرب منها إلى الرشد والهدى .
وصلى اللهم على نبيّنا محمد صلى الله عليه وسلم وآله وصحبه وسلم تسليما كثيرا