الحملات الصليبية الأولى لبلاد الشام امتدت على مدى حوالي قرنين من الزمن ابتداء من سنة 1096م، وكانت أحداثها كبيرة وعميقة ومتشعبة ومعقدة، وتداخلت معها في فترةٍ غزوات المغول، وبالتالي يصعب تلخيص أهم تلك الأحداث في بضع صفحات دون تجاوز ذكر شخصيات ومحطات مهمة، ودون حدوث ثغرات في الرواية تُعطي صورة قاصرة للقارئ عن مرحلة مهمة من تاريخ المسلمين.


كما أن الحديث عن أحد الأبطال المسلمين الذين برزوا خلال تصدي المسلمين للحملات الصليبية (أو حملات الفرنجة كما كان يسميها المسلمون) يصعب تغطية كل جوانبه في بضع صفحات، لأن الإنجاز الذي حققه أيٌّ منهم إنما هو نتيجة لأعمال وانتصارات مرحلية متعاقبة جبارة يقطف ثمارها الجيل اللاحق وقياداته ليتمموا البناء والتشييد والانتصار على أساسها، فليس من الإنصاف الحديث عن بطل دون ذكر من سبقوه وكيف مهدوا له الطريق.


قادة المسلمين وتمهيد الطريق لصلاح الدين
وهذا ينطبق على بطلنا الذي نريد الحديث عنه هنا، يوسف بن أيوب (الكردي) الملقب بصلاح الدين.

 فصلاح الدين لم ينطلق من فراغ ولم يكن وحده، فلا يمكن الحديث عن صلاح الدين دون إعطاء لمحة ولو مبسطة عن الأعمال الجبارة التي مهدت الطريق قبله. 


فالذي جعل صلاح الدين ينال شهرة وشرفا أكبر من غيره، ليس لتفرده بأعمالٍ وإخلاصٍ لم يسبقه إليه أحد من قبل أو من بعد ولا لانعدام أو قلة نظرائه، ولكن السبب يكمن في رمزية القدس، فالقدس لها مكانة مميزة عند المسلمين بعد مكة، كما أن لها أهمية مميزة عند اليهود والنصارى، والقدس كانت أهم دافع للحملات الصليبية. ولهذا لما كان صلاح الدين هو أول من استطاع إعادة فتح القدس وطرد الصليبيين منها، اشتهر اسمه وأخذ مكانة مميزة بين المسلمين والنصارى واليهود، دون غيره من نُظرائه الذين مهدوا الطريق لتحرير القدس. كما أن للمؤرخين دور مهم في تلميع وإشهار شخصيات على حساب أُخرى. 


فمن هم هؤلاء النُّظراء لصلاح الدين وكيف مهدوا له الطريق ليقود معارك تحرير القدس واستعادتها إلى حضن الأمة الإسلامية؟


من أسباب انهزام المسلمين ضد الصليبيين الذين اكتسحوا بشكل رهيب وسريع أجزاءً من تركيا والساحل الشامي وصولا إلى القدس، وأقاموا عدة إمارات من بينها إمارة الرُّها وإمارة أنطاكية (أُنشئتا سنة 491هـ/1098م)، ومملكة بيت المقدس (أُنشئت سنة 492هـ/1099م)، ومملكة طرابلس (أُنشئت سنة 502هـ/1109م). 


 إن من أهم أسباب انهزام المسلمين هو ضعف عقيدة الإسلام في النفوس ومن ثَمَّ غياب الدافع الروحي للجهاد وللتحدي والصبر والثبات مما أدى لجبن المسلمين في مواجهة الصليبيين. وبضعف العقيدة ضاع المحرك والمُوَلِّد للأعمال العظام فركن المسلمون لمعيشة الذل والاستسلام. بضعف العقيدة فُقِدَ الضامن لوحدة المسلمين والمثبّت لها، مما أدى إلى تفرقة الأمة الإسلامية إلى إمارات متناحرة، يخذل بعضها بعضا، بل ووصلت الخيانة ذروتها بتواطؤ أمراء مسلمين مع الصليبيين.


ولم يكن شيوخ الإسلام وحدهم من أخذوا على عاتقهم إحياء نَفَسِ الجهاد في الأمة وحشد الهمم، بل كذلك الشعراء، ولعل أبيات شعرية لأبي المُظَفَّرِ الأَبِيْوَرْدِيّ (وُلد سنة 460هـ/1068م، توفي 507هـ/1113م) تلخص صورة الهوان والسلبية التي وصل لها المسلمون، والتي تشبه تماما حالة المسلمين اليوم، ومحاولة الشاعر تحريك حَمِيَّة الدين والعِرْضِ فيهم:
مَزَجْنَا دِمَاءً بِالدُّمُوعِ السَّوَاجِمِ :::: فَلَمْ يَبْقَ مِنَّا عُرْضَةٌ لِلْمَرَاحِمِ
وَشَرُّ سِلَاحِ الْمَرْءِ دَمْعٌ يُفِيضُهُ :::: إِذَا الْحَرْبُ شُبَّتْ نَارُهَا بِالصَّوَارِمِ
فَإِيهًا بَنِي الْإِسْلَامِ إِنَّ وَرَاءَكُمْ :::: وَقَائِعَ يُلْحِقْنَ الذُّرَى بِالْمَنَاسِمِ
وَكَيْفَ تَنَامُ الْعَيْنُ مِلْءَ جُفُونِهَا :::: عَلَى هَفَوَاتٍ أَيْقَظَتْ كُلَّ نَائِمِ
وَإِخْوَانُكُمْ بِالشَّامِ يُضْحَى مَقِيلُهُمْ :::: ظُهُورَ الْمَذَاكِي أَوْ بُطُونَ الْقَشَاعِمِ
تَسُومُهُمُ الرُّومُ الْهَوَانَ وَأَنْتَمْ :::: تَجُرُّونَ ذَيْلَ الْخَفْضِ فِعْلَ الْمُسَالِمِ
وَبَيْنَ اخْتِلَاسِ الطَّعْنِ وَالضَّرْبِ وَقْفَةٌ :::: تَظَلُّ لَهَا الْوِلْدَانُ شِيبَ الْقَوَادِمِ
وَتَلِكَ حُرُوبٌ مَنْ يَغِبْ عَنْ غِمَارِهَا :::: لِيَسْلَمَ يَقْرَعْ بَعْدَهَا سِنَّ نَادِمِ
سَلَلْنَ بِأَيْدِي الْمُشْرِكِينَ قَوَاضِبًا :::: سَتُغْمَدُ مِنْهُمْ فِي الْطُّلَى وَالْجَمَاجِمِ
يَكَادُ لَهُنَّ الْمُسْتَجِنُّ بِطِيبَةٍ :::: يُنَادِي بِأَعْلَى الصَّوْتِ يَا آلَ هَاشِمِ
أَرَى أُمَّتِي لَا يَشْرَعُونَ إِلَى الْعِدَا :::: رِمَاحَهُمْ وَالدِّينُ وَاهِي الدَّعَائِمِ
وَيَجْتَنِبُونَ الثَّأْرَ خَوْفًا مِنَ الرَّدَى :::: وَلَا يَحْسَبُونَ الْعَارَ ضَرْبَةَ لَازِمِ
أَيَرْضَى صَنَادِيدُ الْأَعَارِيبِ بِالْأَذَى :::: وَتُغْضِي عَلَى ذُلٍّ كُمَاةُ الْأَعَاجِمِ
فَلَيْتَهُمْ إِذْ لَمْ يَذُودُوا حَمِيَّةً :::: عَنِ الدِّينِ ضَنُّوا غَيْرَةً بِالْمَحَارِمِ
وَإِنْ زَهِدُوا فِي الْأَجْرِ إِذْ حَمِيَ الْوَغَى :::: فَهَلَا أَتَوْهُ رَغْبَةً فِي الْمَغَانِمِ


اليوم الصِّنَّبْرَة وغداً حِطِّين
تحت ضغوط وتحريض وتنظير العلماء والشعراء أوعز السلطان السلجوقي (التركي) محمد بن ملكشاه لأمير الموصل، مودود بن التونتكين (توفي سنة 507هـ/1113م)، تجهيز الجيوش لمحاربة الصليبيين (السلاطين السلاحقة السُّنيين كانوا الحاكمين الفعليين على العراق منذ سنة 447هـ/1055م عندما دخلوا بغداد بطلب من الخليفة العباسي القائم بأمر الله وطردوا منها ملوك البُوَيْهيين الشيعة. الخلفاء العباسيون صاروا منذ النصف الثاني من القرن الرابع هجري مجرد رمز لوحدة المسلمين الدينية دون سلطة فعلية).


مودود بن التونتكين
وهكذا انطلقت أحد أول حملات المسلمين لمحاربة الصليبيين بقيادة مودود بن التونتكين، حيث حاول تكوين جبهة إسلامية بالتحالف مع إيلغازي بن أرتق أمير ماردين، وسقمان القطبي أمير خلاط وتبريز، وطغتكين أمير دمشق، لكن امتنع أمير حلب، رضوان بن تتش، عن التحالف. امتناع محور حلب جعل جبهة المسلمين تفتقر لقلعة إسلامية في غاية الأهمية تحمي ظهرها وتشكل ركيزة إمداد لها، وتتخذها جيوشهم ملجأ للاحتماء في حال انهزامهم أمام الصليبيين، وبذلك لم تكن تلك الجبهة الإسلامية بالقوة والحصانة التي تمكنها من خوض حروب كبرى مصيرية للقضاء على مماليك الصليبيين.


لكن رغم هذا انطلق مودود بن التونتكين بما استطاع حشده من جيوش اتجاه إمارة الرُّها (في ذي الحجة 503هـ/1109م) فحاصرها لمدة شهرين ثم اضطر للانسحاب. لكن مودود بن التنتكين أعاد الكرة مرات ومرات، ورغم أنه لم يستطع القضاء على أي من الإمارات الصليبية إلا أنه حقق انتصارا نوعيا على جيش بلدوين الأول، ملك مملكة القدس، في موقعة الصِّنَّبْرَة في 13 محرم 507هـ/20 يونيو 1113م. سُميت المعركة بهذا الاسم لأنها وقعت عند جسر الصِّنَّبْرَة في شبه جزيرة الأقحوانة بين نهر الأردن ونهر اليرموك جنوب بحيرة طبرية.


أثر انتصار موقعة الصنبرة
انتصار موقعة الصنبرة يُشكل وضع حجر الأساس للتحولات التي ستشهدها الساحة الإسلامية وإماراتها ودولتها وللانتصارات التي سيحققها القادة اللاحقون، ومن بينها انتصار المسلمين تحت قيادة صلاح الدين الأيوبي في معركة حطين. ولذلك بالإمكان القول على لسان محمد مؤنس عوض:
[“اليوم الصنبرة وغداً حطين”، وهذا ما أثبته السياق العام لتاريخ تلك المنطقة في القرن السادس الهجري، الثاني عشر الميلادي] (أ.هـ).


فموقعة الصِّنَّبْرَة كانت أول انتصار على مؤسس مملكة القدس، أهم ممالك النصارى، لذا رفعت معنويات المسلمين وأحيت في أنفسهم الأمل والثقة بالقدرة على تحرير القدس وبلاد الشام من الغزاة الصليبيين. كما أن موقعة الصِّنَّبْرَة شارك فيها رجل تَعلَّم الكثير من مودود بن التونتكين وبرزت فيها قدراته القيادية والعسكرية، ليحمل لاحقا شعلة الجهاد عن مودود بن التونتكين ويكمل مشروع طرد الجيوش الصليبية من بلاد الإسلام، وهذا القائد الصاعد هو عماد الدين زنكي، والد نورد الدين محمود (التركي) الأب الروحي لصلاح الدين الأيوبي (الكردي) والممهد لتحرير بيت المقدس.


صعود نور الدين محمود زنكي الأب الروحي لصلاح الدين الأيوبي والممهد لتحرير القدس
اغتيل مودود بن التونتكين، واضع حجر الأساس للجهاد المنظم ضد الصليبيين، على يد الباطنيين (الحشاشين، خوارج الشيعة) في دمشق سنة 507هـ/1113م عند خروجه من صلاة الجمعة. تولى بعده آق سنقر البرسقي الإمارة على الموصل الذي أكمل الجهاد ضد الصليبيين، وكان أهم ما أنجزه البرسقي هو رفع حصار الصليبيين عن حلب سنة 518هـ ومنعهم من الاستيلاء عليها، وضمه حلب لولاية الموصل، ورفع الظلم الذي كان يعاني منه أهل حلب، وتحسين أحوالهم الاقتصادية.


وبعد اغتيال آق سنقر البرسقي على يد الباطنيين سنة 520هـ/1126م إبَّان أدائه صلاة الجمعة، تولى ولده عز الدين مسعود ولاية الموصل، لكنه ما لبث أن توفي في 22 جمادى الآخرة سنة 521هـ، فتولى بعده عماد الدين زنكي ابن آق سنقر الحاجب ولاية الموصل.


أكمل عماد الدين زنكي المشوار على نهج مودود بن التونتكين، المنهج الذي ارتأى أن جهاد الصليبيين يتطلب أولا توحيد صف المسلمين. فكان أول ما بدأ به عماد الدين زنكي هو سعيه لتوحيد ما استطاع من بلاد الشام تحت سلطته، فاستطاع استعادة حلب في محرم سنة 522هـ بعدما كانت استقلت على إثر انقلاب قبيل تولي عماد الدين ولاية الموصل. ثم ضم حماة في سنة 523هـ/1129م، فمدينة سرجى ودارا، ثم ديار بكر وإقليم الجبال سنة 528هـ/1134م، وغيرها من المناطق. فصارت، إلى جانب الموصل، معظم بلاد الشام تحت سلطان عماد الدين زنكي، ما عدا دمشق التي كانت بيد الصليبيين.


توحيد الصف جعل للمسلمين قوة وحصانة تمكنهم لأول مرة من القدرة على الانقضاض على الإمارات الصليبية (كما قلنا أسس الصليبيون أربع إمارات في بلاد المسلمين)، وهكذا استطاع عماد الدين زنكي استرجاع إمارة الرُّها من الصليبيين سنة 1144م/539هـ.


اغتيال عماد الدين زنكي
لم يكن لعماد الدين الزنكي ومودود بن التونتكين نفس المنهج فحسب، بل كذلك نفس المصير، حيث لقي عماد الدين الزنكي أيضًا حتفه على يد الباطنيين سنة 1146م/541هـ أثناء حصاره لقلعة جعبر.

 ومرة أخرى يظهر الضرر الكبير الذي ألحقه خوارج ذلك العصر بالجهاد، تماما كما يفعل خوارج عصرنا الحالي بالجهاد.


انقسمت دولة عماد الدين زنكي بعد وفاته بين ولديه نور الدين محمود الذي حكم حلب وما جاورها من مناطق في الشام، وسيف الدين غازي الذي حكم الموصل والجزيرة (الجزيرة أو الجزيرة الفراتية تضم كل من محافظة نينوى ومحافظة صلاح الدين ومحافظة كركوك وأغلب مناطق محافظة أربيل وقسم من محافظة الأنبار ومحافظة الحسكة، ومناطق من محافظتي دير الزور والرقة في سوريا، ومحافظات أورفا وماردين ودياربكر وبطمان وسعرد وشرناق وأديامان ووان وبدليس وأجزاء من بينكل وملطية في تركيا). لكن لم يؤدي هذا الانقسام إلى تناحر بين الأخوين، بل تعاونا في كثير من المواقف، وبعد وفاة سيف الدين غازي، حاكم الموصل والجزيرة، استتب الأمر بالتدريج لنور الدين محمود ليصبح الحاكم الفعلي على كل دولة الزنكيين.


من شروط النصر: علو الهمة مع تعظيم شريعة الإسلام ووجود مشروع إسلامي نقي واضح
لا شك أن نور الدين محمود زنكي (ولد سنة 511 هـ/1118م، توفي 569 هـ/1174م) من الرجال القليلين الذين يستحضر بطولاتهم كل من أراد رفع الهمة عند الشباب المسلم، وهذا ما دفع مثلا محمد بن إبراهيم الحمد إلى إفراد بَابٍ في كتابه “الهمة العالية” تحت فصل “نماذج رائعة للهمة” أبرز فيها الهِمَّة العالية لنور الدين محمود وأهم مقوماته التي صنعت منه قائدا فذا لم تعرف الأمة الإسلامية مثله بعد الخلفاء الراشدين والخليفة عمر بن عبد العزيز. فقد كان طموحا، شجاعا، مجاهدا، صبورا، عنيدا، غيورا لم يرضى بسيادة الصليبيين في بلاد المسلمين، مفكرا، مُلِمًّا بعلم شرعي، ذو حنكة في اتخاذ القرارات، لا يميل للعشوائية.


لا أريد هنا الإسهاب في ذكر خصال نورد الدين محمود وإنجازاته وتِعداد المعارك التي انتصر فيها على الصليبيين، فستجد مئات المقالات وعشرات الكتب والمحاضرات تسردها وتعددها، لكن أريد التركيز على أمور في غاية الأهمية نتعلم منها ما ينفعنا في خضم صراع المسلمين اليوم مع الصليبيين في بلاد الشام والعراق.


ذكرنا أن مودود بن التونتكين كان من الأمراء الأوائل الذين أدركوا أن جهاد الصليبيين يتطلب أولا توحيد صف المسلمين، فحاول هو ومن بعده توحيد محور الموصل-حلب لأهميته الاستراتيجية والشعبية في مواجهة الصليبيين، ولما تولى نور الدين محمود زنكي زمام الأمور كان مدركا لأهمية هذا المحور ولضرورة توحد المسلمين، بل نور الدين محمود أدرك أن هناك ضرورة لتحقيق أكثر من ذلك، أدرك أن الأمر يستوجب إحداث نهضة إسلامية واسعة في المجتمع والدولة.


فنور الدين محمود لم يكن قائدا عسكريا فذًّا فحسب، بل كان يتمتع بدرجة عالية من العلم الشرعي والمعرفة، ودرس سيرة الخليفة عمر بن عبد العزيز التي كتبها له الشيخ أبو حفص الإربلي، مما جعله يتعلم الكثير من السياسات والخطوات التي اتخذها عمر بن عبد العزيز لإعادة الأمة الإسلامية إلى الطريق الرباني، فأدرك نور الدين محمود حقيقة المعركة والصراع الذي يجب خوضه، ووضع منهجا إسلاميا واضحا، وكانت له درجة عالية من الهمة جعلته لا يشك لحظة في القدرة على سلوك المنهج الذي وضعه وتحقيقه، بل ووجوب ذلك.


من أركان منهج نور الدين محمود في إعادة توحيد الأمّة
توحيد ليس محور الموصل- حلب فحسب- بل كذلك دمشق ومصر التي كانت تحت حكم العبيديين (الفاطميين).


تعظيم شريعة الله، بإحياء سنة رسول الله وتطبيق شريعة الله في كل المناطق التي يحكمها المسلمون في الدولة الزنكية، ورعاية حاجات الناس حَسَبها، ودفع الزكاة لمستحقيها من الفقراء والمساكين، ومنع تجارة الخمر وشربها، وإقامة الحدود على المجرمين والسُّراق وقطاع الطرق وشاربي الخمر، وإنشاء محاكم شرعية يُعَيَّن فيها قُضاة مؤهلين علميا وفيهم التقوى والورع… الخ


رفع الظلم عن الناس ومنعه، وإنشاء دار عدل تُرفع إليها المظالم التي تقع من الأمراء والموظفين وأصحاب السلطة على الرعايا، ومنع المكوس.


الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والقضاء على البدع والعقائد الرافضية ومنع انتشارها ونشر مذاهب أهل السنة، يقول ابن كثير:
كان (نور الدين محمود) آمراً بالمعروف ناهياً عن المنكر، مبغضاً للظلم، صحيح الاعتقاد، مؤْثراً لأفعال الخير، لا يجسر أحد أن يظلم أحداً في زمانه، وكان قد قمع المناكر وأهلها، ورفع العلم والشرع.
تحسين الوضع الاقتصادي للبلد وإعداد القوة العسكرية.


نشر العلم وتشجيعه، وذلك بإنشاء المدارس والمساجد وحشد الناس إليها ليتعلموا دينهم، وجلب العلماء الربانيين من كل بقاع الأرض ودعمهم وتكريمهم وحضور مجالسهم، والاستماع إليهم واستشارتهم.
فأنشأ نور الدين محمود المدرسة النورية الكبرى بدمشق والمدرسة النورية الصغرى، التي اعتنت بتدريس الفقه السني وعلى رأسه الحنفي، مع تواجد مدارس اعتنت بالفقه الشافعي والمالكي.


ولما ضم نور الدين محمود دمشق لدولته، أسس فيها أول دار للحديث جعل عليها عَلَمًا من أعلام الإسلام، الحافظ تقي الدين بن عساكر.


وأنشأ دورا لرعاية الأيتام وتعليمهم الإسلام ودورا لتحفيظ القرآن للناشئة. وهكذا نشطت الحركة العلمية نشاطا واسعا، وبدأ الناس يتعلمون عقيدة الإسلام الصحيحة والشريعة، وبدأت تدب روح العلم والجهاد في النفوس.


وبهذا المنهج سعى نور الدين محمود لتحقيق هدف مهم واضح: تحرير بيت المقدس والقضاء على كل الممالك الصليبية في الشام وطرد الصليبيين منها!


إن تَصْدُق الله يَصْدُقْكَ
نور الدين محمود زنكي اتبع منهج “إن تَصْدُق الله يَصْدُقْكَ”(الحديث)، المنهج الذي يجب أن يسلكه الثوار المسلمون اليوم في الشام والعراق واليمن وليبيا! لا يمكن للمسلمين انتظار نصر الله لهم على الصليبيين إذا كانوا لا يعظمون شرع الله ولا يتقون الله في سريرتهم وعلانيتهم، ولا يقيمون شرع الله، ولا يجعلون هدف القتال إعلاء شريعة الله والتمكين لها.


فمن كان صادقا فعلا في الجهاد في سبيل الله، عليه أن يُصدِّق عمله قوله، فيجب أن يظهر أولا تعظيم شرع الله وشعائره في نفسه وفي شعاراته وفِي أهدافه وتطبيق الشريعة في المناطق التي له السيادة فيها! فإن استطاع مسلم الكذب على الناس وتسويق تسويغاته، فليدرك أن الله يعلم ما بسريرته وبدوافعه وبأهدافه، وعلى أساسها ينال ما يستحق، وليس على أساس ما يتمنى أو يظن هو أو يظن الناس!


نور الدين محمود أخرج الإسلام من حيّز الدعوة النظرية إلى إعادة تطبيقه، فكان يقول: “نحن شحن للشريعة نمضي أوامرها” (الشحن تعني الشرطة والقوة المنفذة). ويقول:
نحن نحفظ الطرق من لِصٍّ وقاطع طريق، والأذى الحاصل منهما قريب، أفلا نحفظ الدين ونمنع عنه ما يناقضه، وهو الأصل.


من شروط النصر: الإكثار من المندوبات والعبادات والدعاء
لم يحيي نور الدين محمود الإسلام في الحياة العامة بتطبيق أحكامه فحسب، بل كان الإسلام يتجسد في أفعاله الشخصية كذلك، ينقل صاحب سِيَر أعلام النبلاء شهادات عن نور الدين محمود قائلا: [كَانَ دَيِّنًا تَقِيًّا، لَا يَرَى بَذْلَ الْأَمْوَالِ إِلَّا فِي نَفْعٍ، وَمَا لِلشُّعَرَاءِ عِنْدَهُ نِفَاقٌ، وَفِيهِ يَقُولُ أُسَامَةُ:
سُلْطَانُنَا زَاهِدٌ وَالنَّاسُ قَدْ زَهِدُوا لَهُ :::: فَكُلٌّ عَلَى الْخَيْرَاتِ مُنْكَمِشُ
أَيَّامُهُ مِثْلُ شَهْرِ الصَّوْمِ طَاهِرَةٌ :::: مِنَ الْمَعَاصِي وَفِيهَا الْجُوعُ وَالْعَطَشُ


… لَمْ يَلْبَسْ نُورُ الدِّينِ حَرِيرًا وَلَا ذَهَبًا، وَمَنَعَ مِنْ بَيْعِ الْخَمْرِ فِي بِلَادِهِ. وَكَانَ كَثِيرَ الصَّوْمِ، وَلَهُ أَوْرَادٌ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ (أَوْرَادٌ جزء من الليل أو النهار يخصص لصلاة النافلة، كقيام الليل). وَجَاءَهُ رَجُلٌ طَلَبَهُ إِلَى الشَّرْعِ، فَجَاءَ مَعَهُ إِلَى مَجْلِسِ (القاضي) كَمَالِ الدِّينِ الشَّهْرُزُورِيِّ، وَتَقَدَّمَهُ الْحَاجِبُ يَقُولُ لِلْقَاضِي: قَدْ قَالَ لَكَ: اسْلُكْ مَعَهُ مَا تَسْلُكُ مَعَ آحَادِ النَّاسِ. فَلَمَّا حَضَرَ سَوَّى بَيْنَهُ وَبَيْنَ خَصْمِهِ…] (ا.هـ).


وقال عنه ابن الأثير: [طَالَعْتُ السِّيَرَ فَلَمْ أَرَ فِيهَا بَعْدَ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَحْسَنَ مِنْ سِيرَتِهِ (أي سيرة نورد الدين زنكي)، وَلَا أَكْثَرَ تَحَرِّيًا مِنْهُ لِلْعَدْلِ، وَكَانَ لَا يَأْكُلُ وَلَا يَلْبَسُ وَلَا يَتَصَرَّفُ إِلَّا مِنْ مِلْكٍ لَهُ قَدِ اشْتَرَاهُ مِنْ سَهْمِهِ مِنَ الْغَنِيمَةِ، لَقَدْ طَلَبَتْ زَوْجَتُهُ مِنْهُ، فَأَعْطَاهَا ثَلَاثَةَ دَكَاكِينَ، فَاسْتَقَلَّتْهَا، فَقَالَ: لَيْسَ لِي إِلَّا هَذَا، وَجَمِيعُ مَا بِيَدِي أَنَا فِيهِ خَازِنٌ لِلْمُسْلِمِينَ، وَكَانَ يَتَهَجَّدُ كَثِيرًا، وَكَانَ عَارِفًا بِمَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ، لَمْ يَتْرُكْ فِي بِلَادِهِ عَلَى سِعَتِهَا مُكْسًا….](ا.هـ).


وقال عنه ابن كثير: [كان مدمناً لقيام الليل، يصوم كثيراً، ويمنع نفسه عن الشهوات، وكان يحب التيسير على المسلمين، ويرسل البر إلى العلماء والفقراء والمساكين والأيتام والأرامل، وليست الدنيا عنده بشيء رحمه الله وبل ثراه بالرحمة والرضوان‏] (ا.هـ).


وهذه الصورة في الإكثار من عبادات النوافل من قيام الليل والصيام وقراءة القرآن والذكر والتصدق الخ نجدها من خصال الرسول والصحابة وكل الأبطال المسلمين الذين نصروا الإسلام وحققوا أمجادا لأمته، فلا يجوز أبدا إغفالها لمن يسعى للدعوة للإسلام ونصرته، فالدعوة للإسلام والعمل لإقامة الشريعة يستوجب الاستعانة بهذه العبادات التطوعية المندوبة، لأنها تطهر القلوب، وتزيد الأنسان تقربا من ربه، وتعين الداعية على الصبر على ما يلاقيه من عقبات ونفور الناس منه وملاحقة الطغاة له، وتمنحه القوة والثبات، وتجعل الدنيا تبقى صغيرة أمام عينيه لا تغره.


لذلك تجد الله سبحانه قال لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم قبل أن تنزل عليه آيات التكليف الدعوي: {يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (1) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (2) نِّصْفَهُ أَوِ انقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (3) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا (4) إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا (5) إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا (6) إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا (7) وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا (8) رَّبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا (9)}(الزمر). وقال سبحانه: {ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً (55)} (الأعراف)، وقال: {وَاذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُن مِّنَ الْغَافِلِينَ (205) (الأعراف)، وقال سبحانه: {أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ ۚ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (153)} (البقرة).