من محمود شاكر؟ 

هو محمود محمد شاكر أحمد عبد القادر، أبوه الشيخ محمد شاكر وكيل للجامع الأزهر، ورفض أن يتقلد مشيخة الأزهر وكان وضعها البروتوكولي آنذاك يسبق رئيس الوزراء، لأنه أدرك أنه سيجبر على السكوت على ما يرفضه الشرع.


تعلق قلب محمود شاكر بالحروف والكلمات منذ طفولته يقول:
منذ بدأت أعقل بعض هذه الدنيا، وأرى سوادها وبياضها بعين باصرة شغلتني الكلمة وتعلق قلبي بها، لأني أدركت أول ما أدركت أن “الكلمة” هي وحدها التي تنقل إلى الأشياء التي أراها بعينيأبو فهر حامل لواء اللغة العربية والدين والمدافع عنهما حتى الرمق الأخير، حيث علم مجاهدنا أن ميدان الأدب هو المعركة الأساسية التي تُحارب من خلاله الأمة الإسلامية، لأنه أقدر الأدوات على تغير الرّأي العام وعلى تشكيل الجيل كما يريده أعدائه، وذلك بتغلغله في حياة ونفوس الناس عن طريق الصحافة والمسرح والسينما، وعن طريق الكتب المدرسية وكتب الأطفال والشباب، فالمعركة ذات شقّين: أحدهما يتصل بأساليب الأدب وموضوعاته والآخر يتصل بلغته.
وكان بحياة الشيخ الكثير من المعارك ولكن هناك معركتين هما الأشد قوة:-
كانت بداية فصول معركته الأولى داخل أروقة الجامعة
عندما التحق محمود شاكر بكلية الآداب وكان طه حسين يحاضر بها، وكان هذا العائد من فرنسا متشبعًا بجرثومة العلمانية، مستعدًا لهدم المقدسات جميعًا، حينما أراد أن يطبق مبدأ “الشك الدّيكارتي” على القرآن متخذًا الشعر الجاهلي وسيلة للوصول لغايته، فبالتشكيك في الشعر الجاهلي، وأنّ هذا الشعر إنّما هو صنيعة العصور الإسلامية، ولكنهم نسبوه للجاهلين هو في حقيقته طعن في القرآن بصورة غير مباشرة لا يدركها إلا صاحب رؤية أدبية ودين، وذلك لأن الشعر الجاهلي يمثل حقيقة قوة أهله في البيان والبلاغة، والقرآن الكريم تحدّى العرب في أعظم قواهم وملكاتهم وهي ملكة البيان والبلاغة، فإذا تمَّ نفي الدليل على هذه القوة والملكة سقط معنى التحدي الوارد في القرآن الكريم.


ولكن هذا الادعاء لم يكن من بنات أفكار المحاضر الجهبذ، لأنه كغيره ممن امتطت ظهورهم العلمانية حمار ينقل أسفار لا يعي مدى خطورة ما يقول أو ربما يعي، فتلك الأفكار سرقها طه حسين من المستشرق الإنجليزي مرجليوث ونسبها لنفسه، ولكن فارسنا لم يستطيع أن يواجه طه حسين حينها بما يعرف؛ يمنعه الأدب وهيبة الأستاذ، إلى أنه لم يجد للصبر بقية، فوقف مناقشًا إياه لكن دون أن يخبره أن ما يقوله هو سطو على أفكار مرجليوث.


ولكن بعد اكتشاف أمر أستاذه سقطت هيبة الجامعة من نفس الفتى فقرر تركها وراءه غير آسف، ثم قرر أن يسافر إلى جدة عامين ثم عاد مرة أخرى، وبعد العودة انصرف إلى الأدب والكتابة وقراءة دواوين الشعراء حتى صارت له ملكة في التذوق، وبدأ ينشر بعض قصائده الرومانسية.


لم تكن قضية الشعر الجاهلي في حياة الشيخ معركة ثقافية فقط، بل كانت معركة وجود لا تقل ضراوة عن المعارك العسكرية، دارت رحاها في ميدان الثقافة، فكان محمود شاكر يشحذ أسلحته ويدرب جنده من الكلمات والمعلومات، كأي قائد عسكري، كان يدرك عظم المسئولية الملقاة على عاتقه، وكأنه آخر جندي في جيش مهزوم، وهو الموكل إليه رفع الراية فربما تعود إليه الفلول الهاربة فتناصر هويتها الإسلامية المعرضة للفناء.


ظل الشيخ مرابطًا على ثغور اللغة مدافعًا عنها ضد جحافل العلمانية التي جعلت من العربية لغة غريبه بين أهلها، فنذر حياته لقراءة التراث وشرحه، في عام1952 نشر الشيخ محمود شاكر قصيدته الرائعة (القوس العذراء)، وهي من أروع ما كتب، فقد استودع فيها شاكر نظرته للحياة، وبيّن صراع العاطفة مع العقل، وكيف يهزم المال الحب، وكيف يتحطم المثال على صخرة الواقع.


كانت هذه القصيدة وما زالت صفعة في وجه الراحلين عن ثقافتنا وتراثنا، مصعرين خدودهم للعلمانية الكافرة
فدع الشماخ ينبئك عن قوَّاسها البائس من حيث أتاها
أين كانت في ضمير الغيب من غيلٍ نماها؟
كيف شقت عينه الحجب إليها فاجتباها؟
كيف ينغل إليها في حشا عيصٍ وقاها؟
كيف أنحا نحوها مبراته، حتى اختلاها؟
كيف قرت في يديه واطمأنت لفتاها؟
كيف يستودعها الشمس عامين تراه ويراها
ثم كانت معركته الثانية الأكثر انتشارا مع لويس عوض


ذاك العلماني الكاره للإسلام مدعي العلم والثقافة، الذي عُيِّنَ مستشارًا ثقافيًا لجريدة الأهرام فنشر مقالات تحت عنوان: (على هامش الغفران- شيء من التاريخ)، مزج في مقالاته خبث الطويّة التي كونتها نصرانية أصيلة، وتربيته في الغرب، مع جهل بتاريخ الأمة ولغتها، فاشتعلت حمية الفارس فأستل سلاحه وخرج للزود عن الدين واللغة ضد مزور التاريخ الداعي لتحطيم هويتنا الإسلامية، فبدأ بنقد ما يقوله لويس عوض، ويكشف جهله وجهل جماعته بآداب هذه الأمة، وأرجع هجومهم على هذه الثقافة إلى أصولها، وأنها هجوم على دين الله تعالى، فربط بين لويس عوض وبين سلامة موسى وبين دوائر الاستشراق التي تربّي أمثالهما على عينها، ثم مكنتهم من مواقع القرار، فعاثوا في الأمة الفساد. والشيخ وإن اتخذ لويس عوض نموذجًا فإنما أراد بمقالاته التي سمّاها “أباطيل وأسمار” أن يكشف عن جيل كامل حمل معاول الهدم والتدمير، ورضي لنفسه أن يكون تابعًا لدوائر التبشير والعلمانية.


فكشف الشيخ في كتابه ” أباطيل وأسمار” عن:
أصل المسألة الخبيثة في الدعوة لاستخدام العامية التي طالب بها لويس عوض وسلامة موسى، وأرجعها إلى أصولها التي خرجت منها وهي دوائر التبشير والاستشراق، وكشف عن اهتمام هؤلاء القوم بالصحافة لأهميتها، ونقل عن المبشر رولس كاش قوله: إن الصحافة لا توجه الرأي العام فقط، بل هي تخلق الرأي العام.


كشف أمر التعليم وما صار إليه بذكر قول “تكلي” وهو أحد المبشرين: يجب أن نشجع إنشاء المدارس وأن نشجع على الأخص التعليم الغربي، إن كثيرين من المسلمين قد زُعْزِعَ اعتقادهم حينما تعلموا اللغة الإنجليزية، وإن الكتب المدرسية الغربية تجعل الاعتقاد بكتاب شرقي مقدس أمرًا صعبًا جدًا.


ثم كشف الشيخ كيف استأجر هؤلاء المبشرون جماعة من الكتبة الذين يتسمون بأسماء إسلامية لتمرير مخططاتهم وأفكارهم ومناهجهم، ومن هؤلاء الدكتور/ محمد أحمد خلف الله، وبين الشيخ أن النصارى القبط هم من أعان المستعمرين على تمرير مخططاتهم في هذه الأمة. 

بين الثقافة والدين
كما ربط الشيخ محمود شاكر بين الثقافة والدين ربطًا وثيقًا، حيث اعتبر ثقافة كل أمة متصلة بدينها، وأن تخلي الأمة عن ثقافتها هو جزء من التخلي عن دينها، كما ربط بين الحروب الصليبية ونشاط الرهبان، واستطرد في بيان المعركة بين الأمتين المسلمة والنصرانية، حتى ربط بين الحروب القديمة وحركة الاستشراق والتي أقبلت مع هجمة الاحتلال.


كما نفى وجود ثقافة (عالمية)، أي ثقافة واحدة يشترك فيها البشر جميعًا، ويقول:
إن هذا تدليس كبير، وإنما يراد بشيوع هذه المقولة بين الناس والأمم، هدف آخر يتعلق بفرض سيطرة أمة غالبة على أمة مغلوبة لتبقى تبعًا لها، فالثقافات المتباينة تتحاور وتتناظر وتتناقش، ولكن لا تتداخل تداخلًا يفضي إلى الامتزاج.


رحيل أبو فهر
وكحال المجاهدين رحل “أبو فِهـْر” غـريبـًا، رحل كأنه طيف جاء ثم ذهب، لم يشعر به إلا القليل ممّن يعرفون للرجال مقامهم، لم يترك الشيخ مجلدات كثيرة من تأليفه، لكنه ترك الكثير من الفهم والوعي، ولأنه أحد جنود الحق فلم يجد من يوفيه حقه كما يفعل لجنود الباطل أمثال طه حسين ولويس عوض.


ولكن سيظل فارسنا علامة يعجز كارهيه على محوها، فهو كما وصفه أستاذه الرافعي:
إن من الناس من يختارهم الله فيكونون قمح هذه الإنسانية، ينبتون ويحصدون ويعجنون ويخبزون ليكونوا غذاء الإنسانية في بعض فضائلها
لعمـرك ما الرزيـة فقـد مــــالٍ ولا شـاةٌ تـموت ولا بعـيـــرُ
ولكـنَّ الـرَّزيـة فَقـــدُ قـَــرْمٍ يمـوت بموتـه بـشـرٌ كـثـيرُ
رحم الله الشيخ المجاهد.