إن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب من أعظم الشخصيات التي عرفها التاريخ الإسلامي على الإطلاق، فهي تلي في الفضل الأنبياء والمرسلين بالاتفاق، وتتمركز بالضبط بعد خليفة رسول الله الرقيق وصاحبه الرفيق: أبي بكر الصديق–رضي الله عنه-.


والحديث عن الصحابة الكرام، نور وابتهاج، وشرعة ومنهاج، قال عبد الله بن مسعود: «من كان مستنا فليستن بمن قد مات لأن الحي لا تؤمن عليه الفتنة، أولئك أصحاب محمد –صلى الله عليه وسلم-كانوا أفضل هذه الأمة، وأبرها قلوبا وأعمقها علما، وأقلها تكلفا، قوم اختارهم الله لصحبة نبيه، فاعرفوا لهم فضلهم، واتبعوهم في آثارهم، وتمسكوا بما استطعتم من أخلاقهم ودينهم، فإنهم كانوا على الهدى المستقيم».


أثر التربية النبوية في صياغة الشخصية العمرية؟
والسؤال الذي يطرح نفسه: ما الذي جعل شخصية عمر بن الخطاب فريدة من نوعها بهرت كل تاريخ وفاقته في كل مناحي الحياة؟


الجواب هو أثر التربية النبوية في صياغة الشخصية العمرية، من خلال المحطات الأربعة وهُنَّ على التوالي:


أولها الملازمة
لقد كان عمر –رضي الله عنه-واحد من المكيين الذي تحولوا إلى صحابة، وهو يحسن القراءة والكتابة، فتثقف بثقافة القوم. فعمر بن الخطاب –رضي الله عنه-لازم رسول الله وتتلمذ على يديه، فلقد كان التناوب بينه وبين أوس بن خولى الذي كان معه يصول ويجول، فاسمع للفاروق–رضي الله عنه –وهو يقول: «كنت أنا وجار لي من الأنصار من بني أمية بن زيد–وهي من عوالي المدينة-نتناوب النزول على رسول الله–صلى الله عليه وسلم-ينزل يوما وانزل يوم، فإذا نزلت جئت بخبر ذلك اليوم من الوحي وغيره، وإذا فعل مثل ذلك»


فملازمته لرسول الله كانت نقطة تغير في حياة عمر، إذ كان اللقاء الأول بداية لإسلامه، ثم لزيادة إيمانه، فقد شهد عمر بن الخطاب-رضي الله عنه-المشاهد كلها مع رسول الله، فأفاده ذلك عمق التفكير وحسن التقدير. ومن فوائد ملازمة النبي العظيم، فهم عمر للقرآن الكريم، واستيعابه لهدي محمد الصادق الأمين، وسنة خاتم الأنبياء والمرسلين.


ثانيها المحبة
لقد أحب عُمرُ النبيَ –صلى الله عليه وسلم–حبا عظيما، فقد روى البخاري عن رسول الله قوله: «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين» فقال له عمر يا رسول الله أنت أحب إلى من كل شيء إلا من نفسي، فقال–صلى الله عليه وسلم -: «لا والذي نفسي بيده لا يكون حتى أكون أحب إليك من نفسك»


 فقال له عمر: فإنه الآن، والله أنت أحب إلى من نفسي، فقال النبي–صلى الله عليه وسلم-: «الآن يا عمر»، والمعنى أن الإيمان قد تم والمحبة قد كملت، فيا له من مقام رفيع، وسمو بديع.


ثالثها المتابعة
لقد حرص عمر بن الخطاب على سماحة الاتباع، وابتعد عن غلو الابتداع، فقد روى البخاري ومسلم عن المسور بن مخرمة وعبد الرحمان القاري أنهما سمعا عمر بن الخطاب يقول: سمعت هشام بن حكيم بن حزام يقرأ سورة الفرقان، في حياة رسول الله –صلى الله عليه وسلم- فاستمعت لقراءته، فإذا هو يقرأها على حروف كثيرة، لم يقرئنيها رسول الله، فكدت أساوره في الصلاة، فانتظرته حتى سلم، فلببته، فقلت: من أقرأك هذه السورة التي سمعتك تقرأ ؟ قال أقرأنيها رسول الله، فقلت له: كذبت، فوالله إن رسول الله لهو أقرأني هذه السورة التي سمعتك، فانطلقت به إلى رسول الله –صلى الله عليه وسلم- أقوده، فقلت: يا رسول الله إني سمعت هذا يقرأ سورة الفرقان على حروف لم تقرأنيها، فقال: يا هشام اقرأها، فقرأها القراءة التي سمعته، فقال رسول الله: هكذا نزلت، ثم قال: اقرأ يا عمر، فقرأتها التي أقرأنيها، فقال رسول الله: هكذا أنزلت، ثم قال رسول الله –صلى الله عليه وسلم-: «إن القرآن أنزل على سبعة أحرف، فاقرأوا ما تيسر منه»


رابعها المفاضلة.
لقد كان عمر بن الخطاب ذا مكانة وسؤدد، لمَّا وافق آيات القرآن الممجد، ففضله رسول الله المسدد، وقد وردت أحاديث كثيرة تبرز فضائل الفاروق ومناقبه المستنيرة، التي توضح نقاء السريرة، والتي سأذكر طرفا منها:
منها ما يدل على أن دين عمر راسخ متين:
والدليل: على ذلك ما رواه مسلم في صحيحه الثمين، قال رسول الله –صلى الله عليه وسلم-: «بينا أنا نائم، رأيت الناس يعرضون وعليهم قمص منها ما يبلغ الثدي، ومنها ما يبلغ دون ذلك، ومر عمر بن الخطاب وعليه قميص يجره، قالوا ماذا أولت ذلك يا رسول الله؟ قال: الدين».
هذا الحديث العظيم يعكس أحوال الناس المختلفة يوم العرض الأكبر، فمنهم من يغطي قميصه ثديه، ومنهم من يبلغ أقل من ذلك، وذكر النبي-صلى الله عليه وسلم–حال عمر بن الخطاب الإيمانية العالية، والتي أهلته ليستتر بقميص يجره، وهي دلالة واضحة على قوة دينه وسلامة معتقده وحسن استعداده ليوم المعاد، فرضي الله عن عمر وأرضاه، وصل الله من علمه ورباه.
وفيها ما يبين أن بحر عمر عميق وعلمه دقيق:
ما رواه البخاري ومسلم في صحيحهما أن رسول الله-صلى الله عليه وسلم-قال: «بينا أنا نائم حتى أنظر إلى الري يجري في ظفري، فشربت منه، ثم ناولته عمر، فقالوا: فما أولته؟ قال: العلم.
ففي هذا الحديث، يبرز النبي–صلى الله عليه وسلم-منقبة عظيمة لعمر بن الخطاب–رضي الله عنه-وهي المنهاج النبوي أي العلم الموروث عن النبي –صلى الله عليه وسلم–فالمقصود به وكما يقول بن حجر في فتح الباري: “إنه العلم بسياسة الناس بالكتاب والسنة”.
وفي علم الدلالة اللغوية، فاللبن هو الغذاء البدني، والعلم هو الغذاء المعنوي، وإنما اشتركا هاهنا في الذكر لكونها سببا في الصلاح والإصلاح، ولاعتبار أنهما عنصر أساسي في النفع والانتفاع. وعمر هو صاحب فضل ومنة، وهو ملهم هذه الأمة، فقد روى البخاري ومسلم أن رسول الله –صلى الله عليه وسلم-قال:
«لقد كان فيما قبلكم من الأمم محدثون، فإن يك في أمتي أحد، فإنه عمر»


وشيء أكبر ذلك وهو هيبة عمر وخوف الشيطان منه:
فقد روى البخاري ومسلم عن سعد بن أبي وقاص –رضي الله عنه – قال: استأذن عمر بن الخطاب –رضي الله عنه-على رسول الله –صلى الله عليه وسلم – وعنده نسوة يكلمنه ويستكثره، عالية أصواتهن على صوته، فلما استأذن عمر بن الخطاب قمن فبادرن بالحجاب، فأذن له رسول الله –صلى الله عليه وسلم-فدخل عمر ورسول الله يضحك، فقال عمر: أضحك الله سنك يا رسول الله!


فقال النبي-صلى الله عليه وسلم – عجبت من هؤلاء النسوة كن عندي فلما سمعن صوتك ابتدرن الحجاب، قال عمر: أنت أحق أن يهبنك يا رسول الله، ثم قال يا عدوات أنفسهن، أتهبنني ولا تهبن رسول الله! فقلن: نعم أنت أفظ وأغلظ من رسول الله!


فقال رسول الله –صلى الله عليه وسلم –: «إيها يا بن الخطاب والذي نفسي بيده ما لقيك الشيطان سالكا فجًّا قط إلا سلك فجًّا غير فجك»


قال بن حجر: ‹فيه فضيلة لعمر تقتضي أن الشيطان لا سبيل له عليه، ولا يقتضي ذلك وجود العصمة.›