كلمة للشيخ العلامة عبيد الله الجابري -حفظه الله- بخصوص تحذير العوام من المبتدعة



يعرف نفسه بأنه عاميّ! لكنه يجلس أمام حاسوبه! فيقيم الحروب انتصارا لهذه الدعوة! وينسى المسكين أن الصمت هو النصرة التي فرضت عليه! غفرانك ربّنا.


سمع كلامي فقال: أنا عامي لا أزيد على نقل أقوال العلماء!


قلت له: جزاك الله خيرا على نيتك الطيبة ومقصدك النبيل، لكن اعلم أن انتقاء أقوال العلماء ووضعها في وقتها المناسب ومكانها اللائق ليس بالأمر السهل، فهو يتطلب حكمة وفطنة وذكاء ورويّة!


قال: كيف ذلك؟


قلت له: جاء في المثل: ويل للعلماء من العوام! وقد رأيت الكثير من إخواننا، ممن يرى في نفسه أنه واحد من العوام! ينقل من أقوال أئمتنا ما لا يفهم معناه ولا يعرف قصد صاحبه.


قال: اعطني مثالا على ذلك؟!


قلت: قبل الولوج في تفاصيل هذه الجزئية لابد من المرور على مقدّمة وجيزة:
وهي متعلقة بقولك: (أنقل كلام العلماء)! فوالله لقد رأيتك يا أخي تنقل كلام صغار الطلبة ومن هم في عداد تلامذة المشايخ وتنشره في النوازل! وفي هذا تدليس فاحش على الناس وإيهام لهم بأن هؤلاء من أكابر الأمة الذين ينبغي الأخذ بأقوالهم، وهم في الحقيقة دعاة متهورون يعلم حقيقتهم المشايخ وهم صابرون عليهم.


قال: لكن زكاهم فلان وفلان؟


قلت: نعم أصبت فنحن لا نشك في سلفيتهم وفي تحصيلهم! لكن أنا ألفت انتباهك إلى ضرورة تقديم الأكابر في النوازل، وتمييزهم عن تلامذتهم، هذا من جهة!


ومن جهة أخرى: لا يلزم من كون الرجل سلفيا مستفيدا أن يكون متكلما في كل الوقائع يقبل كلامه في الجماعات والأفراد هكذا من غير ما برهان! ويُلزم الناس -ومنهم من هو أفضل منه- بكلامه وأحكامه!
وقد شهدنا مشايخنا: يسأل أحدهم عن فلان فيقول: هو سلفي فيقال له: هل تنصحنا بالأخذ عنه وسؤاله فيقول استدراكا: أما الأخذ عنه فلا أعرف هل هو أهل لذلك!


وقد شاهدنا مشايخنا يحذرون من فلان وينفرون منه لا لانحرافه وضلاله ولكن لتسرعه وتهوّره.


قال: أحسن الله إليك فإذا التزمت بالنقل عن الأكابر؟


قلت: هذا الالتزام غير سديد فقد بينت لك أن الكلام في النوازل وفي الأحاكم العظام لابد من تقديم كلام الأكابر فيها، أما نقل الفوائد العلمية والمسائل الفقهية فلا يعاب على من استفاد من الطلبة ونقل عنهم بالضوابط المعلومة.


أما النقل عن الأكابر مع ما فيه من فوائد جليلة فلا يخلو من مفاسد منها كما أسلفت: وضع كلامهم في غير موضعه، وإخراج فتاويهم عن مسارها.


ولاشك يا أخي أن توظيف كلام العلماء في النوازل وفي الحكم على الناس مزلّة عظيمة وهوّة سحيقة، فقد سمعت الشيخ الفوزن مثلا ينكر على من يقتطع من كلامه العام ويركبه في فيديوهات ترد على بعض الناس؟! ورأيت بعض الناس ينقل أحكام العلماء في حكم مقاطعة بضائع الكفار فيضعها جوابا على من يسأل عن حكم مقاطعة الرافضة! وفي هذا من الخلل ما لا يخفى عن العقلاء.


وأنا لست من المفتين لكن أظهر لك الفرق بين المسألتين:
فالرافضة يريدون من استثماراتهم نشر التشيع وإفساد عقائد الناس ولهذا أفتى بعض مشايخنا بمقاطعة بعض شركات الاتصالات الهاتفية لثبوت فسادها وإفسادها.


قال: وإذا تحقق ما تفضلت به فهل أنقل؟
قلت: كيف يتحقق وأنا لم أحدثك بعد عن المنصوح المخاطب بمنشوراتك؟ فمن أعظم المضارّ التي لحقت دعوتنا المباركة الإخلال بالنظر في حاله والغفلة عن مراعاته والأمثلة على ذلك كثيرة تكاد لا تحصى!
فلا تنكر أخي مثلا:
أن الكثير من رواد الفيس بوك من المتأثرين بشبهات الحزبيين، فهم يعدّون فلانا وعلانا من أكابر العلماء ولا يعرفون علماء السنة ومشايخ الدعوة السلفية! فليس من الحكمة يا أخي أن تنقل لهم كلام الشيخ الفلاني الذي لا يعرفه أصلا وفيه حكم بالضلال على شيخه العالم الإمام! ولو أنك قابلت أحدهم وتناقشت معه لوجب عليك الرفق به واستلزم عليك الأمر وضع مقدمات حتى يقتنع بضلال فكر شيخه! هذا في اللقاء فكيف والحال ما نراه اليوم من منشورات عشوائية يطلع عليها ربما آلاف الناس!
فلو كانت إجابة الناس بنقل فتاوى العلماء لما كان لسؤال أهل الذكر فائدة! ولقد كتب العلماء في أدب المفتي والمستفتي وبينوا أحكام السؤال وضوابطه، ومن تلك المسائل الخفية في هذا الباب بيان أن طالب العلم يعرف الحكم ولا يعرف الفتوى!
فهو مثلا يعرف حكم الربا وإجماع الأئمة على أنها من كبائر الذنوب، ويفقه أحكام الطلاق ومسائل الميراث لكن ليس له أن ينتصب للفتوى ويجيب السائلين بمقتضى معارفه الفقهية. هذا في حق طالب العلم فكيف بالعامي؟!
وأنت يا أخي: رأيتك تجيب الناس في صفحتك وفي حسابك بفتاوى العلماء! فنصبت نفسك مفتيا وأنت لا تشعر، وتقولت على الله وأنت لا تدري! ترى السؤال فتسرع للنت لتبحث عن الجواب فتنقل للسائل وتظن أنك أحسنت صنعا، والسائل المسكين لا يعرف أن الله كلفه بسؤال أهل الذكر فهم أعلم الناس بدين الله وأعلم الناس كذلك بحال السائلين، فالعالم قد يطرح عليه نفس السؤال لكن يفتي هذا بجواب ويفتي ذاك بجواب آخر! فالأول مضطر والآخر في سعة من حاله!! فالأول جاهل لا يعلم والآخر عالم متقصد!
قال: جزاك الله خيرا وبارك الله فيك فهمت واقتنعت.
قلت: لا أخفيك سرّا:
لقد رأيتك: قد تجاوزت حيّز النقل ودخلت في مهاترات وجدل مع الحزبيين وأقمت حروبا في الخاص وفي التعليقات بحجة نصرة الدعوة السلفية! وهو مقام عزيز شريف حازه أهل الجهاد والعلم والحكمة!
ورأيتك: وقد فتحت صفحات وحسابات ومجموعات بأسامي كبيرة لا يقوى عليها حتى كبار الطلبة! كالدعوة السلفية في المنطقة الفلانية! ومحبي الشيخ الفلاني وتلامذة مشايخ الجزائر، وهيئة الأمر بالمعروف في المنطقة الفلانية! ومكافح.. وفاضح .. وكاشف الفرقة الفلانية!
ويكفيك حتى تقتنع بوجوب إقفال هذه الحسابات: أن تدرك أن أهل البدع من الرافضة والزنادقة قد فتحوا حسابات وهمية بنفس الأسامي التي اخترتها لنفسك، وهو فساد قد اشتركت فيه معهم من غير أن تشعر وأصبحت موضع شبهة وتهمة، وإصرارك على فتح هذه الحسابات سيصعّب من عمل إخوانك الدعويّ! ويدخل في نفوسهم الشكوك والحيرة.
لقد نشرت جريدة الشروق مقالا سوده صاحبه بالكذب والافتراء تحت عنوان: أصحاب التيار المدخلي يباركون القصف الإسرائيلي لغزّة! وقد اعتمد صاحبه على منشور لصفحة: محبي الشيخ ربيع في ليببيا! فقل قل بربّك أخي: كيف يهتدي العاقل إلى حقيقة الواقفين خلف هذه الصفحات؟ أليس من كمال الحكمة أن تُجتنب كل هذه الحسابات المشبوهة ويحذر منها ومن التفاعل معها؟ فأخطر ما يواجه مشايخ السنة من العقبات اليوم: تلك الحسابات التي تفتح بأسمائهم، وأسماء محبيهم! وتلامذتهم! حيث اتخذها أعداء الله مصدرا لمطاعنهم!
ورأيتك: قد وصل بك الجرأة إلى كتابة بيانات باسم السلفيين في المنطقة الفلانية ونشرها حتى في الشوارع! وقد سألنا الثقات من تلك المنطقة فلم يعرف واحد منهم أصحاب البيان! لأن العالم الافتراضي أشبه بعالم الجن! بل عالم الجن ربما يكون أسهل منه لأن الجن يتمثلون بصورة مشاهدة! أما أولئك القوم فلن تشاهد أعيانهم أبدا!
ورأيتك: تستفز الناس بمنشورات غريبة عجيبة مثل: من يطعن في الشيخ ربيع فليخرج من حسابي! وهو كلام والله لن يقبله منك الشيخ ربيع! ومن يثني على فلان فلا يراسلني أو يصادقني! ما بك يا أخي تثير المعارك بلا غبار؟ فهوّن على نفسك واخرج من هذا المعترك الوهمي الذي أقمته في رأسك!
ورأيتك: تنشر قوائم لأناس هم عندك من أهل الضلال وتعلق عليهم هؤلاء مبتدعة احذروا منهم! يا أستاذ من تكون ؟ هل تعلم أن العلماء وصعب عليهم إقناع الخلق بضلال المنحرفين وهم من هم في إقامة الحجة وبيان الضلال! فكيف تأتي أنت يا أبا فلان وتريد أن يقتنع مساكين العوام بأن أصحاب القائمة كلهم على ضلال هكذا من غير دليل! وكيف تضم فلانا الذي صدرت منه بعض الأخطاء والذي ربما يتراجع عنها وله سابقة في هذه الدعوة كيف تضمه في القائمة مع الزنداني وعدنان إبراهيم والسويدان؟
اسمع أخي وبهذا أختم نصيحتي لك:
إن وسائل التواصل الاجتماعي أضحت كالمجهر تنظر فيه الشعوب والحكومات إلى توجهات الناس وعقائدهم وتفكيرهم! فأنت الآن فرضت نفسك واجهة للسلفيين يحكم عليهم من خلال منشوراتك وأعمالك في حسابك وصفحتك! وبهذا قد وضعت نفسك في موضع خطير لا تحسد عليه.
فقنوات الشر وجرائد المكر تستقي أخبار السلفيين من وسائل التواصل والأمثلة كثيرة لا داعي لذكرها، وقد عرفت بنفسي أن بعض الإعلاميين الجهلة يضع تقريرا كاملا عن رؤية السلفيين في القضية الفلانية خطّه بعد مناقشة مع بعض الجهلة ممن يتكلم باسم الدعوة السلفية. فترى قوله في تقريره: هم يقولون ويرون وإنما يقصد ذلك الشاب الذي ناقشه.
وأخيرا أخي العزيز: أجدد لك شكري واعترافي لك بحسن النية وكبير الاهتمام والحرص، وأرجو من صميم الفؤاد أن يثيبك الله على ما أردته، وإني آمل أن توقف حسابك أو تغير اسمه إن كان فيه ما يثير علينا الخصوم والجهال، وأن تلتزم الصمت إن كنت على الحال التي تطرقنا إلى تفاصيلها.
أخي العزيز: لقد كان الجاهل والمعتوه والمتعالم يُفضح في المجالس ويعرفه الناس! أما اليوم فقد وجد له متنفسا في الصفحات والحسابات والمجموعات! وإني على يقين أنك في العالم الحقيقي لا الافتراضي رجل تستحي أن تتكلم في المجالس لاسيما في مجالس العلماء والمشايخ! فالكل يعرف جهلك وصغر سنك، فاستصحب حالك هذا في العالم الافتراضي وراقب الله فهو شديد العقاب، ومما يساعدك على تصحيح مسارك ومراقبة ربك الكتابة باسمك الصريح.
محبك والمشفق عليك
أبو معاذ محمد مرابط
ليلة السبت 13 شوال 1438
الجزائر العاصمة