قال الله عز وجل ((ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم))، وصحيح أن الإسلام عرف أعداء آخرين ليسوا أقل شأنا كاليهود والمجوس والوثنيين عامة، إلا أن الصليبيين كانوا أشد إيذاء للأمة الإسلامية عبر تاريخها حتى إنهم من طوى صفحات أمجادنا في القرون الأخيرة بتحالفهم مع اليهود، وأوقعوا الأمة في نكبة شديدة ما زالت تتخبط فيها إلى الآن.


الفتوح الإسلامية وامبراطورية الروم البيزنطية
بعد تأسيس الدولة الإسلامية الأولى على يد النبي -عليه الصلاة والسلام-في شبه جزيرة العرب؛ كان على دعوة الإسلام وجيوشها أن تمتد إلى الأطراف الشمالية للبلاد، حيث تقف حدود اعتى الامبراطوريات التاريخية في ذاك الزمان وهي كل من الفرس والروم، وهذه الأخيرة هي ما يهمنا هنا حيث سيكون لها شان كبير مع المسلمين بدأ من هذا التاريخ.


وكان أول صدام عسكري بين المسلمين والروم النصارى في وقعة مؤتة بالسنة السابعة للهجرة، ثم تلتها بعد سنتين غزوة تبوك التي أدب فيها المسلمون بقيادة رسول الله – صلى الله عليه وسلم- عرب الشمال المتنصرين والمتحالفين مع الروم، وكانت معركة اليرموك التي انتصر فيها خالد بن الوليد والمسلمين على جحافل الروم سنة 15هوفتحت على إثرها بلاد الشام من أبرز الوقائع بين الدولة الإسلامية وبيزنطة في العهد الراشدي، وكذلك وقعة أجنادين قبلها في خلافة ابي بكر الصديق التي هزم فيها البيزنطيين بفلسطين، وكان عهد عمر بن الخطاب حيث اليرموك وفتح دمشق والقدس عصرا ذهبيا للفتوحات الإسلامية في أراضي الروم وتم في خلافته أيضا فتح مصر، وفي عصر الخليفة عثمان جرت أول معركة بحرية للمسلمين سميت بذات الصواري التي سحقت فيها أساطيل الروم في عرض بحر المتوسط،ليثبت المسلمون جدارتهم أمام البحرية البيزنطية، كما قد بدأ في هذا العهد فتوح المغرب وشمال إفريقيا بعد حروب طاحنة مع البيزنطيين،فبرزت أسماء قادة فاتحين لهذه البلاد كابن ابي سرح وعقبة بن نافع.
وقد كانت للدولة الأموية بالشام علاقات متقلبة مع دولة الروم البيزنطية، ما بين الصراع العسكري والاتفاق الودي حيث عقدت معاهدات بين الطرفين استفاد منها البيزنطيين، خصوصا في فترة الاضطرابات والنزاعات الداخلية بين المسلمين، من قبيل قيام الخلافة الأموية إلى منتصف عهد عبد الملك بن مروان، لتعود بعدها المصافي والمشاتي وهي الغزوات الجهادية التي يشنها المسلمون في أراضي الروم، المتاخمة مع الثغور كما قامت في هذا العهد محاولات لفتح القسطنطينية عاصمة البيزنطيين في خلافة معاوية بن أبي سفيان وابنه يزيد وكذا في فترة سليمان بن عبد الملك.


وفي عهد الخلافة العباسية استمرت أحوال الغزو مع الروم في عمليات المصافي والمشاتي، ولعل أبرز أحداث العصر العباسي الأول فتح عمورية سنة 223ه، من قبل الخليفة المعتصم، التي كانت من كبريات مدن البيزنطيين بالأناضول والذي جاء ردا على اعتداءات الروم على المسلمين في الثغور، كما قام العباسيين بأعمال غزو كبيرة ضد الروم في عهد الرشيد والمأمون حتى باتوا يدفعون الجزية للدولة الإسلامية، ومع ضعف الدولة العباسية وقيام الإمارات في أرجاءها اصطدم البيزنطيون بكل من الطولونيين والحمدانيين وكذا العبيديين بثغور الشام طيلة العصر العباسي الثاني، وفي فترة الوصاية السلجوقية على خلافة بغداد وقعت معركة من أشهر وقائع المسلمين مع الروم وهي معركة ملاذكرد سنة 463ه، التي انتصر فيها السلطان السلجوقي ألب أرسلان على الجيش الرومي وأسر امبراطورهم رومانوس الرابع، وتعد هذه الواقعة أخر المعارك الكبرى مع الدولة البيزنطية حيث تقلصت على إثرها مساحة بيزنطة وانساح المسلمون في أراضي آسيا الصغرى واقتطعوا أجزاء كبيرة من بلاد الروم.
ومع تفشي الحروب الصليبية وغزوات المغول خفتت العلاقات الإسلامية البيزنطية في القرنين السادس والسابع الهجري، لكن نفود الروم تراجع كثيرا بعد هذا العهد في الأناضول فتأسست إمارات تركية مثلت امتدادا لسلاجقة الروم، ولم يمضي الكثير حتى ظهرت قوة بين هذه ألأمارات وهي الدولة العثمانية التي توسعت في آسيا الصغرى وأنهت الإمبراطورية البيزنطية بفتح عاصمتها القسطنطينية عام857ه/1453م على يد السلطان العثماني محمد الفاتح.


جبهة الأندلس
في الوقت الذي استمرت فيه المواجهات بين المسلمين ونصارى الشرق المتمثلين في دولة الروم البيزنطيين، افتتحت جبهة جديدة في حرب النصرانية بالغرب، وكان ذلك بالتحديد بعد فتح الأندلس. ولعل معركة بلاط الشهداء سنة 114ه أكبر دليل على حجم الصراع الإسلامي-النصراني في منطقة الغرب بعد بضع سنين من دخول الإسلام إلى الأندلس وأوروبا، وقد شكلت هذه المعركة نقطة تحول في تاريخ المسلمين بأوروبا حيث أدى انكسار الجيش الإسلامي فيها إلى توقفه عند حدود بلاد الفرنجة، الذين بدورهم استنفروا كل أوروبا من أجل صد الإسلام ومنع دخوله.


على أن بلاد الاندلس نفسها ما لبتت أن قوي بها شوكة النصارى بشمالها بعد اخفاق المسلمين في تمشيط جيوب هذه المنطقة، وكونوا هؤلاء النصارى إمارات قوية صارت في محل تهديد لدولة الإسلام في عهد الولاة وحكم الأمويين، فاشتد خطرهم بعد أن تمكنوا من ربط إماراتهم مع دول الفرنجة بأوروبا، حيث الإمدادات العسكرية والمباركات البابوية الصليبية للعدوان على أراضي المسلمين، فصارت الأندلس ساحة للصراع الإسلامي النصراني لقرون طويلة، وقد تقدم هؤلاء النصارى على المسلمين بعد سقوط الدولة الأموية في بدايات القرن الخامس الهجري والتي جابهتهم طويلا منذ عهد عبد الرحمن الداخل وفي عصرالناصر والحاجب المنصور، فقامت دويلات الطوائف الضعيفة التي كان ملوكها سبب في تردي أحوال المسلمين وسقوط مدن كبرى بالشمال،كطليطلة بيد الملك القشتالي ألفونسو السادس الذي هدد باجتياح البلاد، الأمر الذي أدى إلى استنجاد الأندلسيين بالمرابطين حكام المغرب وأميرهم يوسف بن تاشفين صاحب الانتصار الباهر على الصليبيين بموقعة الزلاقة الشهيرة سنة 479ه، والتي مهدت بدخول البلاد الأندلسية تحت سلطة دولة المرابطين، الذين لبوا نداء جهاد نصارى وخاضوا معهم معارك أخرى طيلة مدتهم بالأندلس، كما قام ورثتهم الموحدون من بعدهم بهذا العمل، وكان لهم أيضا وقعة مشهورة مع نصارى الإسبان في الأرك عام 591ه،حيث غلبهم الجيش الإسلامي بقيادة يعقوب المنصور الموحدي.
وجاءت معركة العقاب عام 609ه فانهزم الموحدون أمام قشتالة ودول النصرانية من خلفهم، فكانت إيذانا بسقوط الدولة الموحدية وتدهور أمر الأندلس وتقلص نفوذ المسلمين إلى حدود مملكة غرناطة بعد الاحتلال النصراني للحواضر الأندلسية مثل قرطبة وإشبيلية.


استمر المسلمين بغرناطة في ظل حكم بني الأحمر لأكثر من قرنين وفي علاقات متباينة مع الممالك النصرانية المحيطة بهم، وقد تلقوا مساعدة من بنو مرين سلاطين المغرب الذين هبوا بدورهم للغزو وجهاد الأعداء ورد عدوانهم، لكن ضعف الدولة المرينية وخيانات ملوك بنو الأحمر المتفاقمة أدت في النهاية إلى سقوط غرناطة أخر معقل للمسلمين في البلاد سنة 897/1492م،وتم بذلك إحلال الكوارث والمآسي بالأندلس وأهلها فسقطت جبهة الأندلس التي كانت ثغرا كبيرا في الغرب الإسلامي، ليفتح الباب على مصراعيه للكنيسة الكاثوليكية وقوى النصارى، الذين صاروا يهددون أمم أخرى وراء البحار والمحيطات وأولها أمة الإسلام.


الحملات الصليبية

لم يكتفي النصارى في الدفاع عن ملكهم أمام تمدد الإسلام إليهم؛ بل تجرؤا وهاجموا بلاد المسلمين في قلب الأمة بالمشرق وذلك في أواخر القرن الخامس الهجري، حيث انطلقت حملات عسكرية من أوروبا الغربية متجهة نحو بلاد الشام وفلسطين سميت بالحروب الصليبية، دامت لأكثر من قرنين فشكلت وجها أخر من الاصطدام بين العالم الإسلامي والعالم النصراني.


أدى بداية ضعف الدولة السلجوقية إلى تشجع الصليبيين لا سيما بعد انعقاد مجمع كليرمونيت سنة 1095م، الذي نادى فيه البابا أوربان الثاني بشن الحرب المقدسة على المسلمين واجتياح بلادهم، فاستجاب الفرسان والرهبان وبدأت أوروبا تحشد قواها وانطلقت الحملة الشعبية في أول الأمر وضمت غوغائيين ودهماء النصارى بقيادة بطرس الناسك،إلا أن السلاجقة سحقوها بسهولة في الأناضول، وفي الوقت ذاته بدأت الاستعدادات للحملة العسكرية بجيوش نظامية سميت بالصليبية الأولى فاستهدفت الأراضي المقدسة، وكانت النتيجة أن استولى الجيش الصليبي على القدس بعد أن ذبح كل من فيه من المسلمين كما تشكلت إمارات نصرانية في الشام وسواحله.


فكان لزاما على المسلمون أن يطردوا هؤلاء الصليبيين،لذلك برزت في هذا العصر شخصيات وجماعات جهادية كان لها الفضل في تحقيق النصر، كأسرة آل زنكي الأتابكية التي أسسها عماد الدين زنكي وابنه نور الدين في الموصل وحلب،هذا الأخير الذيعرف بشجاعته وحزمه في جهاد النصارى مما أدى إلى قيام حملة صليبية جديدة، ثم الدولة الأيوبية ومؤسسها صلاح الدين الذي عرف بجهاده واستبساله في محاربة الصليبيين، حيث تفرغ لهم بعد إنهائه للدولة العبيدية بمصر وتوحيدها مع الشام، ليلحق هزيمة فادحة بالنصارى في معركة حطين الفاصلة واسترد منهم بيت المقدس عام 583ه، لتنطلق حملة ثالثة وتبعتها حملات أخرى اتجه بعضها نحو مصر، وأخرها الحملة الثامنة التي شنها ملك فرنسا على إفريقية وفشلت في النهاية. ومن المعروف أن الغرب استطاع في ظل هذه الحملات أن يربط نفسه اقتصاديا ببلدان الشرق، فانتعشت التجارة الأوروبية في ظروف هذه الحروب الصليبية المستعرة، والتي انتهت أخيرا بخروج أخر الصليبيين بعد أن قضى المماليك على بقايا إمارتهم في الشام.


    وقد ذهب البعض في القول بأن الحملات الصليبية هي فقط هذه الثمانية التي شنت على بلدان المشرق في فترة تقارب القرنين، لكن الصحيح بأن حملات الصليبيين بدأت قبل هذا العصر بكثير في الأندلس تحت مسمى “حروب الاسترداد”، ولا ننسى الهجوم النورماني النصراني على سواحل المغرب الأدنى(أفريقية) واحتلالها سنة 482ه، ولم تتوقف حروب الصليبيين هنا؛ بل زادت واتخذت أبعادا أخرى لاسيما بعد سقوط الأندلس وظهور ما سمي بالكشوفات الجغرافية، التي كانت إحدى وجوه الصليبيات الموجهة إلى العالم الجديد والعالم الإسلامي على حد سواء، كما تعرضت الدولة العثمانية إبان فتوحاتها في الشرق الأوروبي إلى هجمات من قبل تكتلات نصرانية وأحلاف صليبية ينادي بها بابا روما نفسه، وبعد النهضة الأوروبية اتخذت الحملات الصليبية طابعا جديدا سمي بالاستعمار.


الاستعمار الحديث
بعد أن استيقظت أوروبا من براثين قرونها المظلمة وتخلصت من سيطرة الكنيسة،فدخلت في ما يسمى بعصر النهضة منذ القرن الخامس العشر الميلادي؛أخدت الحملات الصليبية بالتدريج صبغة جديدة في مسمى “الاستعمار”، وهو مفهوم اقتصادي واكبه الأوروبيين مع جنوحهم نحو المادية، وقد ابتدأ الأمر منذ إسقاط الأندلس وانطلاق ما أطلق عليه “بالكشوفات الجغرافية”نحو العالم الجديد، ومع ظهور نظريات وأفكار جديدة في أوروبا تقول بتفوق العرق الأوروبي (النصراني) على سائر الأجناس؛ أقيمت حروب إبادة ومجازر في حق شعوب القارة الأمريكية والبحر الهادي حتى أن المسلمون لم يسلموا منها، وبدأ نوع أخر من الغزو النصراني لبلاد الإسلام.


ومع صعود التفوق الغربي على العالم كان المسلمين في بداية التراجع على جميع النواحي، خصوصا بعد ضعف الدولة العثمانية وتدهور أحوال العالم الإسلامي أمام التقدم الأوروبي الاقتصادي  والعسكري،وسيطرتها على مزيد من أراضي في العالم بما فيه بلدان الأمة الإسلامية. وابتدأ الأمر بالأندلس ثم بجزر جنوب شرق آسيا التي وصل إليها الإسلام عن طريق التجارة، وقد لقي المسلمون فيها مجازر شنيعة على يد النصارى الذين أصبحوا يحاصرونها من كل الجهات،إضافة إلى بلدان إسلامية أخرى في سواحل المحيط الأطلسي والمحيط الهندي؛ طوقتها دول نصرانية مستأثرة لا سيما البرتغال والإسبان ثم باقي الأوروبيين، وكانت الهند مثال شاهد على هذا النوع من الحملات الصليبية المعروفة بالاستعمار أو الإمبريالية العالمية،التي أولدتها الرأسمالية فتأسست بالتالي شركات كبرى كشركة الهند الشرقية من قبل الإنجليز والفرنسيين والهولنديين المستثمرة ببلاد الهند والشرق الإسلامي، ومع تصاعد أفكار أوروبا المادية والعلمانية إبان الثورة الفرنسية والحروب النابليونية؛ استفحل الاستعمار وبدأ يصطدم بقلب الأمة الإسلامية كحملة نابليون على مصر، حيث تزداد أوضاع المسلمين ترديا بعجز الخلافة العثمانية عن صد ضربات الأعداء في كل مكان،كالغرب وكذلك روسيا التي نهضت وصارت امبراطورية صليبية على حساب إمارات التتار الإسلامية في شمال خرسان وآسيا الوسطى، وكان سعيها الاستيلاء على إسطنبول عاصمة الخلافة وإعادة بيزنطة مركز الكنيسة الأرثودكسية.


وبانطلاق الثورة الصناعية؛ توسعت السياسة الاستعمارية الأوروبية وخسر المسلمين بلدانا كثيرة كبلاد المغرب الكبير وغربي إفريقيا لمصلحة فرنسا، ثم مصر والشرق الأفريقي وبلدان المشرق لفائدة بريطانيا في النصف الثاني من القرن التاسع عشر الميلادي،وبرزت الصهيونية والماسونية العالمية لهذا العهد مطالبة بوطن يهودي في فلسطين، رغم وقوف السلاطين العثمانيين في وجه كل هذا كعبد الحميد الثاني،إلا أن الأحداث اتخذت مجراها ودخل العالم في حروب كبرى بالقرن العشرين، كالحرب العالمية الأولى التي انتهت بسقوط الدولة العثمانية وإلغاء الخلافة الإسلامية وتقسيم بلدان المسلمين بين الدول النصرانية وسيطرة الصليبية الدولية على الأمة، وما كانت الحرب العالمية الثانية إلا أن بلورت نفس الأمر بصورة جديدة بين المعسكر الروسي الشيوعي والأمريكي الرأسمالي، وصحيح أن المسلمين لم يستسلموا إلى هذا الحد؛إذ تحركت جماعات جهادية هنا وهناك بين البلدان الإسلامية لكفاح الاستعمار الصليبي الذي حارب الإسلام ونهب ثروات الأمة،ونجحت إلى حد ما في طرد الجيوش الاستعمارية،لكن النفوذ الغربي-النصراني ما زال قائما في كل أقطار العالم الإسلامي، واستفحل كثيرا بعد سقوط المعسكر الاشتراكي وسيطرة النظام العالمي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية الصليبية.