هل يأثم العامي إذا خالف فتوى العالم؟ (00:20:45):


السائل: جزاك الله خيراً، طيب في كتاب الإمام الشاطبي " الموافقات " قال هذه العبارة، قال ((إن فتوى العالم بالنسبة للعامي كالدليل بالنسبة للمجتهد))، نريد توضيح لهذه العبارة، هل يأثم العامي إذا خالف فتوى الإمام كما يأثم العالم إذا خالف الدليل؟


الشيخ الألباني رحمه الله تعالى: بلا شك، أقول بقولة الإمام الشاطبي، لاشك أن العامي إذا خالف فتوى المفتى له دون عذر شرعي فهو متبع لهواه أولاً، ثم هو مخالف لمقتضى قول ربنا تبارك وتعالى: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [النحل:43]، ربنا عزّ وجلّ حينما أمر في هذه الآية عامة الناس بأن يسألوا أهل العلم، تُرى.. هل من إنسان يعقل ربه عزّ وجلّ ما يأمر به يفهم من هذه الآية: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [النحل:43]، فيقول ثم هو إن شاء فعل بما أفتاه المفتي وإن شاء لم يفعل؟!! هل أحد يفهم هذا الفهم أم الفهم الصحيح: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [النحل:43]، لتعملوا بما يفتيكم أهل العلم؟؟.

هل من خلاف في صواب في فهم الآية هو هذا؟ وهو كذلك، فإذا العامي إذا سأل العالم وأفتاه بفتوى يجب أن ينفذ هذه الفتوى إلا في حالة أنه دخله شك أو ريب في هذه الفتوى وهذا يقع كثيراً خاصة في آخر الزمان حينما صار أهل العلم كأهل الجهل كما أشار إلى ذلك نبينا صلوات الله وسلامه عليه في قوله في الحديث المتفق عليه من حديث عبد الله بن عمر بن العاص قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلّم: «إن الله لا ينتزع العلم انتزاعاً من صدور العلماء، ولكنه يقبض العلم بقبض العلماء حتى إذا لم يبقى عالماً اتخذ الناس رؤوسا جهالا فسُئِلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا».

فإذا ابتلي العامي بأن سأل رجلا يظن أنه عالم فأفتاه بفتوى مثل فتوى طنطاويكم في استحلال توفير المال في صندوق التوفير، فإذا ابتلي عامي بمثل فتوى الطنطاوي هذا المصري، فدخله شك في هذه الفتوى فلم يعمل بها إلا بعد أن سأل زيداً وبكراً وعمراً حتى اطمأنت نفسه وانشرح صدره للفتوى فوجب العمل عليه بها، أما إذا لم يداخله شيء من هذا الشك والريب فحينئذ يأتي ما ذكرناه أنفاً مما تدل عليه الآية السابقة: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [النحل:43]، وهذا يدلنا على صحة قول سميك أبي إسحاق الشاطبي أن فتوى المفتى بالنسبة للعامي كالدليل بالنسبة لغيره وإلا صار الدين فوضى وصار الدين هوى، ولم يكن هناك فائدة من مثل قوله تعالى: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [النحل:43].

وبهذه المناسبة أريد أن ألفت النظر إلى إن بعض إخواننا الذين هم على منهجنا من العمل بكتاب ربنا وسنة نبينا وسلفنا الصالح يغالون حينما يوجبون على عامة المسلمين كلهم أجمعين أبتعين أكتعين، يوجبون عليهم أن يعرفوا دليل المسألة، في كل مسألة ما يجيزون لهم أن يأخذوا قول المفتى حلال حرام يجب لا يجوز إلى آخره مسلماً إلا مقرون بالدليل!! هذا غلوٌ وهذا إفراط في إيجاب مالا يجب على عامة الناس، ومن هنا أتوصل إلى لفت النظر إلى ضرورة القيد الذي ندندن دائماً في دعوتنا أن لا نقتصر في الدعوة إلى كتاب الله وإلى سنة رسول الله فقط بل نضم إلى ذلك [وعلى منهج السلف الصالح]، لأن منهجهم يوضح لنا كثيراً من الأمور التي قد تخفى على الجماهير من أهل العلم فضلاً عن طلاب العلم فضلاً عن من دونهم وهذه المسألة من هذا الباب.

ما الذي يجده الباحث في آثار السلف حينما كان يأتي المستفتي يستفتي ابن عمر أو ابن مسعود و غيرهما من أصحاب الرسول عليه الصلاة والسلام، أكان المفتى حينما يفتيه برأيه واجتهاده يقول والدليل كذا؟


لا قد يقع هذا أحياناً ولكنهم كانوا غير ملتزمين لذلك هذه نعرفه بالتواتر أنه لم يكن من منهج السلف أن يفتوا عامة الناس... خذ مثلاً قضية له علاقة بفريضة من الفرائض في قسمة إرث من المواريث فيقول لفلان الثلث والآخر الربع وإلى آخره. والله أنا أعترف بنفسي أنني لا أستطيع أن أفهم حتى اليوم دليل هذه التفاصيل فكيف للعامة من المسلمين أن يتمكنوا من معرفة أدلة هذه التفاصيل!!. لم يكن عمل السلف على هذا التشديد بأن كل فتوى على كل مفتي أن يقرن فتواه بالدليل، وأن كل مستفتي عليه أن يطالب في كل ما يستفتي فيه بالدليل، هذا ما أردت لفت النظر إليه لكني أرى أن نقف قليلاً لأني أجد إخواننا قد بدأ النعاس يداعب أجفانهم فلننتقل الآن إلى مواضيع، خاصة أن صاحبنا ظهر العرق في جبينه... فاستراحة قليلاً .. يعنى


سلسلة الهدى و النور -الشريط 382 الدقيقة 20 الثانية 45-