لأهل العلم ثلاثة أقوال في موضع صلاة راتبة الفجر فقول الأفضل في المسجد وقول في البيت وقول بالتسوية بين المسجد والبيت.
القول الأول: الأفضل صلاة الراتبة في المسجد: وهو مذهب المالكية [1].
الدليل الأول: صلاتها في المسجد إظهار للسنة بخلاف صلاتها في البيت [2].
الرد من وجهين:
الأول: هذا رأي مقابل فعل النبي صلى الله عليه وسلم وعموم الأمر بصلاة النافلة بالبيت.
الثاني: تعليم السنة وإظهارها تارة بالفعل وتارة بالقول.
الدليل الثاني: تنوب الراتبة عن التحية ففعلها في المسجد محصل للتحية بخلاف فعلها في البيت [3].
الرد: إذا كان المصلي إماماً فيشرع في الفرض إذا دخل المسجد فيكفيه عن التحية وإذا كان مأموماً إذا دخل قبل الإقامة يصلي تحية المسجد لعموم الأمر بها.
القول الثاني: الأفضل صلاة الراتبة في البيت: قال به عطاء بن أبي رباح [4] وهو مذهب الأحناف[5] والشافعية [6] والحنابلة [7] وقول للمالكية [8] واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية [9]
وابن القيم [10] وابن باز [11] وشيخنا محمد العثيمين [12].
الدليل الأول: في حديث زيد بن ثابت رضي الله عنه « صَلُّوا أَيُّهَا النَّاسُ فِي بُيُوتِكُمْ، فَإِنَّ أَفْضَلَ الصَّلاةِ صَلاةُ الْمَرْءِ فِي بَيْتِهِ إِلا الْمَكْتُوبَةَ» [13].
وجه الاستدلال:
الاستثناء معيار العموم فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنَّ التطوع في البيت أفضل منه في المسجد وقال ذلك في مسجده صلى الله عليه وسلم الذي تضاعف فيه الصلاة [14].
الدليل الثاني: عن ابن عمر رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «صَلُّوا فِي بُيُوتِكُمْ، وَلَا تَتَّخِذُوهَا قُبُورًا»[15].
وجه الاستدلال:
أمر النبي صلى الله عليه وسلم صلاة النافلة في البيت فيدخل في ذلك راتبة الفجر.
الدليل الثالث: عن عائشة رضي الله عنها قالت: « كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يُصَلِّي مِنْ اللَّيْلِ إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً، فَإِذَا طَلَعَ الْفَجْرُ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ، ثُمَّ اضْطَجَعَ عَلَى شِقِّهِ الأَيْمَنِ حَتَّى يَجِيءَ الْمُؤَذِّنُ فَيُؤْذِنَهُ» [16].
الدليل الرابع: عن ابن عمر، عن حفصة رضي الله عنهم، قالت: « كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم إِذَا طَلَعَ الْفَجْرُ، لَا يُصَلِّي إِلَّا رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ» [17].
الدليل الخامس: في حديث ابن عباس رضي الله عنه «فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ، ثُمَّ خَرَجَ فَصَلَّى الصُّبْحَ » [18].
وجه الاستدلال:
النبي صلى الله عليه وسلم يصلي راتبة الفجر في بيته وأمرنا ربنا عزَّ وجلَّ بعموم الاقتداء به بقوله تعالى: ﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا ﴾ [الأحزاب: 21]. وأمرنا النبي صلى الله عليه وسلم بالاقتداء به في خصوص الصلاة بقوله صلى الله عليه وسلم «صَلُّوا كَما رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» [19] ويدخل في ذلك صفة الصلاة ومكانها والله أعلم.
الدليل السادس: صلاتها في البيت أبعد من الرياء [20].
القول الثالث: التسوية بين صلاة الراتبة في البيت والمسجد: وهذا القول رواية في مذهب الحنابلة [21].
ولم أقف على دليل لهذا القول ولعلهم يجمعون بين أدلة القولين والله أعلم.
الترجيح:
الذي يترجح لي استحباب صلاة راتبة الفجر في البيت وإن كان إماماً إذا أتى المسجد يشرع في الفرض وإن كان مأموماً يبادر بعد الراتبة ويصلي التحية قبل جلوسه والله أعلم.

[1] انظر: شرح زروق للرسالة (1/ 185) وكفاية الطالب (1/ 360) وشرح خليل للخرشي (2/ 137) والتاج والإكليل (2/ 391).
[2] انظر: شرح زروق للرسالة (1/ 185).
[3] انظر: شرح خليل للخرشي (2/ 137).
[4] رواه عبد الرزاق (4012) عن ابن جريج، عن عطاء قال: «أركعهما في بيتي ثم آتي المسجد فأجلس أحب إلي» ورواته ثقات.
[5] قال إبراهيم الحلبي في منية المصلي ص:(254) وتطوعه بها في البيت أفضل وهذا غير مختص بما بعد الفريضة بل بجميع النوافل ما عدا التراويح وتحية المسجد الأفضل فيها المنزل.
وانظر: فتح القدير (1/ 416) والبحر الرائق (2/ 85) والبناية (2/ 686).
[6] قال النووي في المجموع (4/ 48) قال أصحابنا وغيرهم من العلماء فعل ما لا تسن له الجماعة من التطوع في بيته أفضل منه في المسجد وغيره سواء في ذلك تطوع الليل والنهار وسواء الرواتب مع الفرائض وغيرها.
وانظر: أسنى المطالب (1/ 169) ونهاية المحتاج (1/ 552) وحاشية إعانة الطالبين (1/ 320).
[7] قال البهوتي في كشاف القناع (1/ 422) (وفعلها) أي الرواتب بل السنن كلها سوى ما تشرع له الجماعة (في البيت أفضل).
وانظر: المبدع (2/ 15) والإنصاف (2/ 177) وشرح منتهى الإرادات (1/ 302).
[8] انظر: شرح زروق للرسالة (1/ 185) والتاج والإكليل (2/ 391).
[9] انظر: مختصر الفتاوى المصرية ص: (74).
[10] انظر: زاد المعاد (1/ 315).
[11] انظر: فتاوى نور على الدرب لابن باز (10/ 337).
[12] انظر: مجموع فتاوى العثيمين (14/ 289).
[13] رواه البخاري (731) ومسلم (781).
[14] انظر: مختصر اختلاف العلماء (1/ 315).
[15] رواه البخاري (1187) ومسلم (777).
[16] رواه البخاري (6310) ومسلم (724).
[17] رواه مسلم (723).
[18] رواه البخاري في أكثر من موضع منها (183) ومسلم (182) (763) وتقدم تخريجه.
[19] رواه البخاري (631) عن مالك بن الحويرث رضي الله عنه.
[20] انظر: كشاف القناع (1/ 422).
[21] انظر: المبدع (2/ 15) والإنصاف (2/ 177).
رابط الموضوع: http://www.alukah.net/web/zoman/0/122194/#ixzz4x5ocyLPI