من أدلة خطورة الشرك

مستفاد من: رسالة نواقض الإسلام - الدرس 01 | للشيخ: عبيد بن عبد الله الجابري


آية النساء: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء ﴾تكررت هذه الآية في موضعين من سورة النساء.

ختامها في الموضع الأول ﴿ وَمَن يُشْرِ‌كْ بِاللَّـهِ فَقَدِ افْتَرَ‌ىٰ إِثْمًا عَظِيمًا﴾ [النساء:48] وختامها في الموضع الثاني﴿ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ [النساء:116]


فحاصل ما أفاده إيراد هذه الآية في هذه السورة الكريمة:

- أن المشرك بالله مفترٍ فيما اتخذه مع الله من الند والآلهة.

- وهو كذلك ضال مضل إذ ليس عنده من البراهين ما يُسوغ به ذلك؛ بل البراهين القطعية على خلافه.

فالآية الكريمة تتضمن بالإضافة إلى ما تقدم أمرين آخرين:

§ الأمر الأول:عدم مغفرة الله الشرك لمن مات عليه.

وها هنا إيضاح وبيان لا بد منه؛ وهو هل هذا عام في أكبر الشرك وأصغره أو هو خاصٌ في أكبره؟! وأقول:

أولًا:- أجمع أهل الإمامة من هذه الملة المباركة الحنيفية السمحة أن من مات على الشرك الأكبر لا يُغفر له؛ وأنه خالدٌ مخلدٌ في النار أبد الآباد؛ فإذا في ماذا الخلاف؟! الخلاف في الأصغر. ويجب قبل ذكر الخلاف أن نبين حد كل من الشركين:

· الشرك الأكبر: هو صرف ما ثبت لله من حقوق لغيره من خلقه.

· وأمَّا الشرك الأصغر:فهو ما يقع للعبد من إرادات ونيات تكون هي وسائل إلى الشرك الأكبر؛ كالحلف بغير الله غير مريد الحالف مساواة المحلوف به بالله؛ وكقول القائل: ما شاء الله وشئت، وكالعكوف عند قبور الأفاضل تقربًا إلى الله زاعمين أن هذا فيه فضل ومزية عن غيره؛ وهذا مبسوطٌ في غير هذا الموضع.

بقيت الفروق بين الشركين؛ يُفرق بينهما من وجهين:

* الوجه الأول: أنَّ الأكبر مخرج من الملة؛ من ملة الإسلام وناقلة إلى الكفر؛ والأصغر ليس كذلك؛ قالوا لأنه أمرٌ قلبي.

* الثاني:الأكبر موجبٌ الخلود في النار والأصغر ليس كذلك؛ لا يُوجب الخلود في النار.

فهل هو داخل في المشيئة أو في الوعيد؟! أعني الأصغر! هل هو داخل في المشيئة ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء﴾ أو في الوعيد ؟! قولان لأهل العلم:

فذهبت طائفة: إلى أن الأصغر تحت الوعيد ولا يدخل في المشيئة.

ودليل هذا القول عموم الآية: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ ﴾ وإيضاح ذلكم أنَّ أنْ وما دخلت عليه في تأويل مصدر تقديره:إن الله لا يغفر أن يشرك به هذا تقديره إن الله لا يغفر الشرك به.

وهذا عام ، والأصل في العموم بقاؤه على عمومه حتى يخصصه الشارع بنصٍ أو إجماع.

وذهبت طائفة أخرى:إلى أن الشرك الأصغر تحت المشيئة.

ولعل من أدلتهم اكتفاء النبي - صلى الله عليه وسلم- بزجر من صدر منه ذلك؛ فقال لمن قال ما شاء الله وشئت يا رسول الله قال: (( ويحك ! أجعلتني لِلَّهِ نِدًّا؟)) ولما حُلف بالآباء من بعض الصحابة -رضي الله عنهم- قال:(( لا تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ ، فَمَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاللَّهِ أَوْ لِيَصْمُتْ))

وأما من صدر منه لفظ شرك أكبر فإن النبي -صلى الله عليه وسلم- أمره بالشهادة؛ صح عنه -عليه الصلاة والسلام- أنه قال لرجلٍ حلف بالات والعزى قال:(( قل لا إله إلا الله))

هذه أدلة الفريقين والمسألة محل نظر منا لاختلاف علمائنا ذكرتها لكم؛ فمن رأى أن الأصغر تحت المشيئة فله سلف، ومن رأى أنه تحت الوعيد ولا يدخل المشيئة له سلف، ومثل هذا لا يثرب فيه أحد المختلفين على الآخر.

§ الأمر الثاني في الآية:وعد من ليس مشركًا ولا كافرًا بالمغفرة ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء﴾

يعني: ما دون الشرك والكفر موعود بالمغفرة؛ وهذا هو في أهل الكبائر كالزنى، والسرقة، وشرب الخمر، وعقوق الوالدين وقطيعة الرحم وغير ذلكم من كبائر الذنوب، و هوكل ذنب تُوعد عليه في الآخرة بنار أو لعنٍ أو غضب أو ترتب عليه حدٌ في الدنيا.

وهذا هو معتقد أهل السنة في من لقي الله على كبيرة مُصر عليها غير تائب منها؛ وقد جاءت السنة المتواترة عن النبي -صلى الله عليه وسلم- بوعد من مات على التوحيد وإن كان مصرًا على كبيرة بالجنة؛ ومن تلكم السنة قوله صلى الله عليه وسلم ((مَنْ لَقِيَ اللَّهَ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَمَنْ لَقِيَهُ، يُشْرِكُ بِهِ، دَخَلَ النَّارَ)) أخرجه مسلم من حديث جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما- وفي معناه أحاديث كثيرة.

قال النووي -رحمه الله- " باب الدليل على أن من مات على التوحيد دخل الجنة قطعًا" وبهذا يظهر لكم شيئان:

· الأول:أن أهل السنة أبعد الناس عن التكفير فهم حريصون على عصمة دماء المسلمين وأموالهم وأعراضهم؛ فلا يكفرون إلا من كفره الله ورسوله.

· الثاني: أن أهل السنة هم أعرف الناس بالحق وهم أرحمهم بالخلق؛ كما ذكر هذا شيخ الإسلام ابن تيمية، وذكره غيره وإن اختلفت العبارات لفظًا.